الرجل الذي سقط من جدول التاريخ في ظهيرة يوم صيفي حار من عام 1954، كان مطار طوكيو الدولي يشهد حركة مسافرين عادية. صالة الوصول تعج بالمسافرين والسياح، وموظفو الجمارك يؤدون مهامهم الروتينية. من بين الحشود، تقدم رجل أنيق في منتصف العمر، يرتدي بدلة رسمية مصممة بعناية، وتظهر على محياه ملامح الإرهاق الواضح بسبب رحلة طيران طويلة. وقف أمام كاونتر ختم الجوازات بهدوء، ومدّ يده ليعطي الموظف جواز سفره.
تناول الموظف الجواز وفتح صفحته الأولى، لكنه توقف فجأة. تبدلت ملامح وجهه، وانعقد حاجباه في حيرة عميقة. لم يكن جواز السفر مزيـ,ـفاً؛ بل بدا وكأنه صادر عن دولة حقيقية ومعتمدة، وبختم رسمي بارز، لكن اسم تلك الدولة لم يكن مألوفاً على الإطلاق: “توريد” (Taured). رفع الموظف رأسه ونظر إلى الرجل، ثم استدعى مديره. دار بينهما حديث قصير باللغة الإنجليزية، سأل المدير الرجل باهتمام: — “عذراً، أين تقع جمهورية توريد بالتحديد؟” ابتسم الرجل بثقة، وقال بصوت هادئ: — “توجد في أوروبا، بين إسبانيا وفرنسا. إنها دولة عريقة، ولديها تاريخ يمتد لأكثر من ألف عام.”
شعر المدير بالحيرة، فأحضر خريطة سياسية حديثة للعالم وفتحها أمام الرجل، طالباً منه أن يشير إلى موقع بلده. اقترب الرجل من الخريطة ووضع إصبعه بثقة على منطقة جبال الأيبرية. لكن إصبعه استقر تحديداً على إمارة أندورا. انقبض وجه الرجل فجأة، وبدت عليه علامات الذهول والغضب الصامت. صاح بانفعال: — “هذا مستحيل! أندورا؟ ما هذه؟ أين توريد؟ لقد كانت هنا قبل ساعات فقط! بلدي موجود، ولدي معاملات تجارية وشبكة رحلات تربطني بدول العالم، كيف تختفي هكذا على خريطة سخيفة؟!”
أصبح الموقف أكثر غموضاً وتعقيداً. فحص الموظفون أمتعة الرجل، فوجدوا فيها ما يزيد من غرابة القصة: رخص قيادة صادرة من حكومة “توريد”. عملات معدنية وورقية بأوراق مالية تحمل تصاميم غريبة لعملة لا توجد في أي بنك مركزي عالمي. دفتر چکات صادر من بنك في “توريد”. طوابع بريدية على مظاريف رسائل قديمة تحمل أختاماً رسمية لدولة لا يعترف بها النظام الدولي.
أما الأكثر إثارة للريبة، فعندما تتبع رجال الأمن اسم الشركة التي ادعى الرجل أنه يعمل لصالحها في طوكيو، تبين أن الشركة لا تعرفه أبداً، ولم تسمع من قبل عن دولة تدعى “توريد”. وبالمثل، تواصلوا مع الفندق الذي حجز فيه، وأكدوا لهم أن اسمه ليس مدرجاً في أي سجل. بسبب حالة الارتباك والشك في كونه جاسـ,ـوساً محترفاً أو شخصاً يعاني من اضـ,ـطراب نفسي حاد، قررت السلطات التحفظ عليه مؤقتاً لحين انتهاء التحقيقات في صباح اليوم التالي.
تم اصطحاب الرجل إلى غرفة فندقية تقع في الطابق العلوي من أحد الفنادق القريبة من المطار. ولمزيد من الحيطة، وضع رجال الأمن حارسين شخصيين أمام الباب الوحيد للغرفة طوال الليل. ولم تكن الغرفة تحتوي على شرفة، وكانت نافذتها تطل على ارتفاع شاهق يصعب جداً تسلقه أو القفز منه دون معدات خاصة، فضلاً عن وجود قضبان حديدية تحيط بها. مرت ساعات الليل ببطء. كان الحارسان يتبادلان النظرات بين الحين والآخر، ولم يسمعا أي صوت صادر من داخل الغرفة طوال الليل؛ لا شجار، لا حركة مريبة، ولا حتى خطوات أقدام.
ومع خيوط الفجر الأولى، ومع وصول لجنة التحقيق الرسمية برفقة ضباط الشرطة لفتح الغرفة واستئنـ,ـاف الاستجواب، فتح الحارسان الباب ودخلا. لكن المفاجأة الكبرى أصابت الجميع بالصدمة والذهول.. كانت الغرفة فارغة تماماً. الرجل لم يكن موجوداً.
نظر الضباط إلى النافذة؛ فوجدوا القضبان الحديدية سليمة تماماً ولم يتعرض أي جزء منها للكسـ,ـر أو العـ,ـبث. تفقدوا زوايا الغرفة والحمام؛ فلا وجود لأي ممر سري، ولا توجد أي وسيلة للهروب. والأكثر جنوناً من ذلك كله: عندما اتجه رجال الأمن إلى خزينة المطار الآمنة التي وُضعت فيها أمتعة الرجل وجواز سفره وأمواله كدليل تحقيق، وجدوها فارغة تماماً هي الأخرى! لقد اختفت الوثائق تماماً من مكان شديد الحراسة، وكأنها لم تكن موجودة من الأساس. بحثت شرطة طوكيو في كل شبر من المطار والمنطقة المحيطة، ولم يتركوا مكاناً إلا وفتشـ,ـوه، لكنهم لم يعثروا على أي أثر للرجل أو جواز سفره.
اختـ,ـفى الرجل كالسحر.. وتحولت هذه القضية في الأرشيفات الأمنية والمهتمين بالظواهر الغامضة إلى واحدة من أشهر الألغاز في التاريخ المعاصر. فهل كان ذلك الرجل مسافراً تائهاً سقط عرضاً عبر صدع زمني من بعد موازي توجد فيه دولة “توريد”؟ أم كان عبقرياً في خداع السلطات بأسلوب سينمائي خيالي؟ تبقى الحقيقة معلقة، ويبقى “رجل توريد” واحداً من أكثر ألغاز القرن العشرين إثارة للجدل.
