طردت اختي من اجل زوجتي ! لكن القدر له رائ اخر نار البيت: القصة الكاملة في شقة متوسطة الحال، بس مفروشة بذوق هادي، كان بيعيش “محمود” مع مراته “منى”. محمود كان راجل طيب، على باب الله، بيحب مراته وبيعمل المستحيل عشان يريحها، بس عنده نقطة ضعف قاتلة: إنه بيضعف قدام كلامها وطلباتها لدرجة بتخليه أحياناً يجي على أقرب الناس ليه.
وفي الأوضة اللي جوه، كانت قاعدة “زينب” أخت محمود الوحيدة. زينب دي كانت أخت وأم، أبوهم وأمهم ماتوا وسابوها في رقبة محمود. كانت غلبانة ومالهاش حد في الدنيا دي غيره، لا زوج ولا عيال.
قاعدة ساكتة، بتخدم في البيت، وما بيطلعش منها صوت.
لكن منى.. مرات محمود، كانت طماعة وعينها فارغة، وكمان بكرة وجود زينب في البيت وعايزة تستفرد بمحمود لوحدها.
في يوم، والتوتر مالي الشقة، دخلت منى على محمود الصالة، وعينيها مليانة شر وغل، وقالت بصوت حاد وبدلع مصطنع: “يا محمود أنا للأسف مش قادرة أستحمل أكتر من كده! أختك دي عاملة زي العروسة الخشب، قاعدة على قلبنا طول النهار، ورايحة جاية كأن البيت بيتها. أنا زهقت! لا باخد راحتي في لبسي، ولا في كلامي، ولا حتى في طريقتي في تربية عيالي.
يا أنا يا أختك في البيت ده!”
محمود حاول يتهرب من الكلام وهو بيبلع ريقه بتوتر: “يا منى حرام عليكِ! دي غللبانة ومالهاش حد بعد ربنا غيري، أبويا وأمي الله يرحمهم وصوني عليها، دي في مقام بنتي!”
منى هنا اتجننت، وزعقت وهي بترزع بإديها على الترابيزة: “بنـتـك؟! لا والله! هي اللي جابتك ولا أنا؟ اختار يا محمود: يا أنا وبيتك وعيالك، يا أختك الهانم اللي لازقة فينا 24 ساعة! على فكرة، أنا ممكن ألم هدومي وأسيب لك البيت وأمشي عند أهلي!”
الخوف تملك محمود، ودافع الخوف على بيته خلاه يتنازل عن مبادئه وأخلاقه، وقال بضعف: “خلاص..
خلاص يا منى.. اهدى بس وما تقلبش الدنيا. اللي تحبيه هيتم، أنا.. أنا هتصرف.”
وبالليل، في نفس الصالة، كان الإسكوت سيد المكان، والدموع مالية المكان. زينب كانت واقفة بتلم هدومها القليلة في شنطة قديمة، ومحمود واقف بعيد، مكسوف يبص في عينها من كتر الخزي والندم اللي جواه، بس خايف من مراته أكتر.
زينب بصتله بصوت مكسور ودموعها نازلة بغزارة: “للدرجادي يا محمود؟ للدرجادي أختك الوحيدة وعزوتك بقت برة البيت عشان خاطر مراتك؟ طب أروح فين؟ مين لي غيرك بعد ربنا؟”
محمود هرب بعينيه، وقاطعها بقسوة مصطنعة عشان يغطي على ضعفه:
“يا زينب افهمي بقى، البيت مش مكفي، ومراتي عصبية ومش طايقة الوضع، معلش.. روحي اقعدي عند خالتك، أو شوفي لك أي حتة.. أصلها مش ناقصة نكد وخراب بيوت!”
زينب بصلته نظرة جمدت الدم في عروقه، وخدت شنطتها وقالت: “ماشي يا محمود.. ماشي يا أخويا. طردتني من بيتك عشان خاطر ست العبدة.. بس افتكر اليوم ده كويس. دعوتي عليك مش هتتعدى السما، وحسبي الله ونعم الوكيل فيك وفي اللي سلطتك عليّ!”
فتحت الباب وخبطته وراها خبطة هزت الشقة كلها.. وسابت محمود واقف لوحده، ببلع ريقه بصعوبة ويمسح عرقه.
مرت الأيام، وعدا شهرين على اليوم الأسود ده.
الشقة كانت باهتة والكراكيب في كل حتة. محمود راجع من الشغل هلكان، تعبان، فتح الباب ونادى بصوت عالي: “يا منى! يا منى أنتي فين؟ أنا ميت من الجوع!”
مفيش أي رد. فتح باب أوضة النوم، ولقى الصدمة اللي فوق العقل: الدولاب فاضي تماماً، وورقة محطوطة على السرير. محمود مسك الورقة وإيديه بترتعش، وقراها بصوت عالي ومرعب:
“يا محمود، أنا خدت عيالي ودهبي ومشيت عند أهلي، وطلبت الطلاق.. وعلشان تبقى عارف، أنا عمري ما حبيتك، وكنت متجوزاك طمعاً في شغلك ومرتبك، ولما لقيتك ضعيف ومش راجل كفاية، أخدت كل اللي وراك وقدامك.. وسلام!”
محمود صرخ بصدمة وجنون: “مستحيل!
منى تسيبني؟! فلوسي؟! دهبي؟! شقتي؟!”
في نفس اللحظة، التليفون رن بصوت مزعج. رد بسرعة وإيديه بتترعش، وجايله صوت جاف: “ألو! أنا محامي البنك.. حضرتك متأخر عن أقساط الشقة والتمويل، والشقة اتسحبت قانوني، وهتنزل في مزاد علني خلال أسبوع، ولازم تسلم المفتاح!” محمود اتجنن ووضع إيديه الاتنين على دماغه وقال محمود اتجنن ووضع إيديه الاتنين على دماغه وقال بصوت مرعب ودموعه سبقت كلامه: “يا نهار أسود.. أنا ضعت! أنا خسرت مراتي، ومالي، وشقتي، وخسرت أختي.. أنا استاهل كل اللي يجرى لي!”
نار الندم تشتعل مرت الأيام كأنها سنين على محمود. الشقة اللي طرد أخته منها عشان يرضي طمع مراته، اتباعت فعلاً في المزاد العلني، وجاء المشتري الجديد وطرده منها بشنطة هدوم صغيرة ومذلة. بقى محمود تايه في الشارع، لا بيت يقويه، ولا قرش واحد في جيبه، ولا حتى صديق يقف جنبه بعد ما كان “سي السيد” في بيته. الفلوس اللي طمعت فيها منى اتسرقت وراحت، وهي نفسها رفعت عليه قضية خلع وطلقت طلاق غيابي، وسابته من غير أي حاجة.
طوق النجاة.. من أين؟ في يوم شتوي بارد، وهو قاعد على رصيف أحد الشوارع حاني الرأس، مكسور الخاطر، حس بصوت خطوات بطيئة بتقرب منه. رفع عينيه المكسورتين، لقى المفاجأة اللي هزت قلبه: زينب! أخته اللي طردها بدم بارد واقفة قدامه، لابسة عباية نظيفة، ووشها منور بالرضا والكرامة، ومعاها راجل محترم وملامحه طيبة جداً. محمود اتقبض قلبه من الخزي، ونزل على ركبه في الشارع وبكى بصوت مسموع، وقال وهو ماسك في طرف عبايتها بانهيار: “سامحيني يا زينب.. سامحي أخوكي الظالم! أنا استاهل الحرق والنار، ربنا انتقم مني في كل حاجة.. طردتيني بدموعك، والزمن طردني للشارع. أنا ماليش غيرك.. سامحيني!”
القدر ورأي آخر زينب بصتله نظرة شفقة، ودموعها نزلت رحمةً بحاله – فهي الأخت الطيبة التي لا تعرف القسوة أبداً – وقالت بصوت هادئ: “قوم يا محمود.. قوم يا أخويا. أنا عمري ما كرهتك، ودعوتي عليك كانت مقهورة، بس ربك كريم. الراجل اللي واقف جنبي ده.. ابن الحلال ده، اتقدم لي بعد ما جيت عند خالتي، وشاف أخلاقي وتعبت معاه لحد ما ربنا اكرمنا وفتحها علينا، وهو بنفسه اللي قال لي تعالي ندور على أخوكي ونقف جنبه، لأنك مهما عملت.. يظل أخويا وحمي وعزوتي.”
الراجل الطيب مد إيده لمحمود، وقومه من على الأرض بحنان، وقال له: “يلا يا محمود، اعتبر نفسك في بيتك، ولا تشيل هم بكرة، ربنا بيعوض الصابرين وبيغفر لمن تاب.” محمود حس إن السما فتحت أبوابها له من تاني، وعم الكسوف والندم قلبه، لكنه عرف متأخر إن “دعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب”، وإن الدنيا تدور، وإن سند الأهل لا يُعوض بمال ولا بزوجة ناكرة للجميل.