هذه إعادة صياغة مفصلة ومطولة للغاية للقصة، مع التعمق في المشاعر والدراما، ورسم معالم الحارة الشعبية وأجواء الليلة بصورة ملحمية: الفصل الأول: خطوات أثقل من الجبال كانت الليلة تشبه كل الليالي السابقة في ظاهرها؛ الحارة الشعبية القديمة غارقة في صمت يدعيه الهدوء، صوت تلفزيون قهوة المعلم “سعيد” القريبة ينساب من بعيد ناعسًا ومترددًا، وأضواء الفوانيس المعلقة على جدران المباني العتيقة ترمي بظلال خافتة على الأسفلت.
كنت أسير بخطوات ثقيلة، أجر قادميّ جرًا بعد يوم شاق في العمل. يوم ك.سر ظهري، أكل من عرق جبهتي وجسدي حتى لم يعد فيّ عرق ينبض، لكنني رغم التعب، كنت أحمل حسرتي وشقائي ورزق يومي القليل بين يديّ بكل رضا. كنت أمني نفسي بكلمة طيبة، وبلحظة واحدة أضع فيها رأسي المجهد على الوسادة لأستريح من عناء الدنيا ومشاغلها. وصلت إلى باب البناية، صعدت السلالم الرخامية المتهالكة درجتين درجتين، وفي عقلي تسكن صورة البيت الدافئ. فتحت الباب بهدوء المعتاد، ودخلت الشقة.
هناك، في زاوية الصالة، كانت “سمر” زوجتي تجلس على الأريكة، هاتفها الذكي بين يديها، وضياء الشاشة يضيء وجهها. بمجرد أن وطأت قدمي العتبة وسمعت صوت إغلاق الباب، قامت بحركة سريعة ومربكة؛ سحبت الهاتف من يدها وألقته أو أخفته بجانبها في اضطراب لا يمكن لعين خبيرة أن تخطئه. كان ارتباكًا غريبًا غير ذي صلة بأي يوم مضى. عيناها اللتان كانتا تفيضان بالهدوء، أصبحت تتفاديان النظر في عيني بشكل مريب، تتحركان في كل الاتجاهات إلا نحو وجهي.
انقبض صدري فجأة، وشعرت بوغزة شؤم. لكنني سارعت بنهر نفسي، وكتمت الشك في أعماقي. قلت في خاطري بنبرة لوم: “يا جدع استعذ بالله من الشيطان الرجيم! دي مرتك، بنت الناس الطيبين، اللي صانتك وصانت بيتك سنين طويلة.. لا تجعل الإرهاق يصور لك الأوهام.” تجاهلت الأمر، واستأذنت هي بحجة المطبخ لتعد كوبًا من الشاي ليخفف عني تعب اليوم. الفصل الثاني: اليد التي امتدت إلى الشوكة ذهبت سمر إلى المطبخ، وتركت هاتفها على الطاولة الخشبية الصغيرة وسط الصالة.
وفي تلك اللحظات الفاصلة بين الشك واليقين، أضاءت شاشة الهاتف فجأة. هزت نغمة الإشعار الصمت المخيم على الغرفة. لم تكن مجرد نغمة، كانت صدمة كهرومغناطيسية عبرت جسدي عندما قرأت الاسم الظاهر على الشاشة: “حسين”. حسين… أخي الذي لم تلده أمي. صاحب العمر، ورفيق السلاح في معترك الحياة. الرجل الذي أكلنا معًا في صحن واحد، وتقاسمنا الرغيف بالعدل، الذي كنت لو جارت عليّ الدنيا بأسرها، أركض إليه وألقي بأحمالي على كتفه وأنا كلي ثقة بأنه الجبل الذي لا يميل.
وقفت مشدوهًا في مكاني لثوانٍ بدا لي أنها دهور. تمتد يدي نحو الهاتف كأنها تنقاد بقوة قهريّة خارجة عن إرادتي. لم أكن شخصًا يتجسس أو يفتش، لكن الروح عندما تستشعر الخيانة تنبه صاحبها بطريقة مرعبة. فتحت شاشة الهاتف… صباعي تحرك بتلقائية نحو تطبيق “الواتساب”، ودخلت المحدثات المتبادلة بينها وبينه. الفصل الثالث: سقوط العالم في هاوية الظلام في تلك اللحظة بالذات، دارت الدنيا بي دورة كاملة ومجنونة.
أمام عيني المصدومتين، رأيت السواد الحقيقي. لم تكن مجرد رسائل عابرة أو مجاملات جافة بين معارف… كانت كوارث مكتوبة. رسائل ومكالمات يمتد تاريخها، كلمات مفعمة بالحب والشوق الهائم، ومواعيد دقيقة تُض.رب من وراء ظهري وفي غيابي أثناء سحقي تحت عجلة العمل! كلام عاطفي ملتهب، لا يُقال ولا ينبغي أن يُقال إلا بين عاشق ومغرم، بين زوج وزوجته… لكنه لم يكن لي! كان لصديق عمري، لأخيا الذي ادعى الشهامة والأخوة!
شعر رأس أطرافه الشيب من التعب تقفز فيه الدماء، والد.م ض.رب في نفوخي كأنه جمر ملتهب. حسيت أن الغرفة تضيق وتتحدد أركانها، وأن صد.ري يُضغط عليه بسلاسل من حديد مصفد، حتى اصبح أخذ النفس أمراً أشبه بالاحتضار. العيش والملح؟ دهس تحت الأقدام بدم بارد ونيات عفنة. الرجولة والصحبة؟ طُعنت في أعمق وأقدس نقطة يمكن أن تُطعن فيها. خرجت “سمر” من المطبخ في تلك اللحظة بالضبط، وهي تحمل صينية الشاي بخطوات متزنة، وعيونها تتصنع البراءة والهدوء المزيف، وكأن شيئًا لم يكن. وضعت الصينية على الطاولة، واقتربت لنسلم عليّ كعادتها.
أغلقْتُ الشاشة فورًا برفق شديد، وركنت الهاتف بجانبي. وضعت يدي على قلبي ليثبت، وحاولت بكل ما أوتيت من قوة أن أجمع بقايا عقلي ورباطة جأشي، حتى لا أتصرف بغشم أو طيش يفقدني حق القصاص العادل منذ اللحظة الأولى. الفصل الرابع: الهدوء الذي يسبق الإعصار جلست أمامي على الكنبة المجاورة. بصيت في عينيها بثبات رهيب، ثبات يذكر بالهدوء المريب الذي يسبق العواصف المدمرة. كان صوتي طالعًا من أعماق الأرض، نبرة هادئة لكنها مشحونة بغضب زلزال مكتوم:
– “بقولك إيه يا سمر… إيه رأيك في حسين صاحبي؟” سقطت الكلمة كصاعقة. تغير لون وجهها في ك.سر من الثانية؛ اخت.فت نضرة وجهها، وشحب لونها، وارتبكت أطرافها بشكل مفضوح. لكنها سريعة اللجوء إلى حيلتها القديمة؛ حاولت أن تتغابى، أن ترتدي ثوب الشريفة العفيفة المظلومة، وردت بنبرة حادة وصوت عالٍ محاولةً إرهابي وسترة خوفها الدفين: – “إنت بتقول إيه يا راجل إنت؟! إيه الكلام الفاضي اللي بتقوله ده؟ أنا مالي ومال صاحبك إنت اتجننت ولا جرى لعقلك حاجة من الشغل والتعب؟!”
الفصل الخامس: المواجهة وسقوط الأقنعة ضحكت… ضحكة مك.سورة مليئة بالألم، ضحكة رجل لم يعد لديه أي شيء يخسره في هذه الحياة بعد أن خسر ثقته وأقرب الناس إليه. سحبت الهاتف المخبأ من جيبي، وألقيته بقوة في وجهها على الأريكة ليقع بين يديها المخزيتين. – “مالك وماله؟! طب بصي في المحادثات دي يا بنت الأصول! بصي للكلام والرسائل والمواعيد اللي بينك وبينه وشوفي مين فينا اللي اتجنن ومين اللي باع!” انقلب وجهها تمامًا إلى اللون الأصفر الكالح. صوابعها كانت ترتعش بتهيج شديد وهي تمسك الجهاز وتفتح الشاشة المشتعلة بالدليل الحامي. الشات كان مفتوحًا أمام عينيها، يصرخ بالخيانة.
لم تستطع أن تنطق بحرف. تبخرت حدتها، وضاع صوتها، وعقد اللسان تمامًا. الكذب انكشف في لحظة واحدة، والأقنعة التي ارتدتها لسنوات تساقطت تحت قدميها. وقفت بحيلتي وطولي، انتصبت أمامها كالقضاء والقدر. نظرت إليها بصفحة وجه مليئة بالقرف والاشمئزاز، وقلت لها بصوت جهوري هز أركان الشقة وزلزل جدران الحارة:
– “إنتي خاينة! خاينة العيش والملح، وخاينة الدخلة اللي دخلتها بيتك وأنا فاكرك صايناه! أنا عرفت كل حاجة… كل حرف اتكتب، وكل مكالمة تمت، وكل كلمة اتقالت من ورا ضهري! ووحياة العيش والملح اللي جزمته بقت تحت رجليكم، أنا مش هسيبك! ومش هسيب الخاين التاني هو كمان! الحساب تقل أوي يا سمر، والقصاص جاي جاي، وأنا مش هسيب حق رجولتي وبيتي المهدوم لو كان ده آخر يوم في عمري!” الفصل السادس: البداية الحقيقية للحساب
نزلت هي من الشقة تتخبط في خطواتها، تبكي بمرارة وتتحايل بصوت مجروح ترجو المسامحة، لكن أي قيمة للبُكاء والتوسل بعد أن هُتك الستر وانكشفت سوءة الخيانة؟ لا الدموع تمحو المكتوب، ولا التوسل يعيد الهيبة التي دُنست. كان الشارع في الأسفل خاليًا ومستعدًا لاستقبال القصة، والصاحب الخائن حسين كان يظن في بيته أن السر قد أُتدفن في أعماق العتمة، وأن حيلته انخدع بها الزمان…
لكنه نسي أن الحارة الشعبية لا تنسى، وأن عيون الحق لا تنام. الحساب لم ينتهِ، بل بدأ للتو. وأنا، بسعي المظلوم وحق الرجولة المهتوف، آخذ حقي كاملاً؛ بالقانون، وبأصول الرجال، وعلى عينك يا تاجر أمام الجميع، ليُعلم الجميع أن العرض والبيت ليسا مجرد لعبة في أيدي الخائنين.