في حارة ضيقة من حواري المدينة القديمة، كان اسم “عم جابر” لوحده كفيل إنه يعكّر مزاج أي حد يريحه حظه ويعدي من قدام بيته. راجل عدى السبعين، بس قلبه أسيّان وأقسى من الحجر. مفيش حد في الحارة سلم من لسانه ولا من افتراه: البياع الغلبان اللي بيسرح بخضاره، كان لازم عم جابر يرمي خضاره على الأرض ويتهجه إنه بيسر.قه في الميزان. الشباب الصغيرين اللي بيلعبوا كورة، كان بياخد كورهم ويخرمها بالمطواة قدام عينيهم وهو بيضحك بشر.
حتى أطفاله وجيرانه الحيطة في الحيطة، كان بيرمي زبالته قدام بوابتهم ويشتكيهم في الشرطة إنهم بيأذوه! الناس كانت بتتجنبه على قد ما تقدر، ويدعوا ربنا يكفيهم شره. كان شايف سكوتهم خوف، فكان بيزيد في الظلم والافترا، وكأن العالم ده كله ملكه هو بس. الليلة الموعودة في ليلة شتا تكتك، كانت الشوارع فاضية ومغرقاها المطرة. عم جابر كان راجع بيته بعد ما نكّد على صاحب القهوة وشتمه من غير وجه حق. كان ماشي بخطوات مغرورة، ساند على عصايته الخشب، وعينيه بتدور على أي حد ينكد عليه.
وهو بيعدي الشارع الرئيسي—اللي العربيات بتجري فيه زي الصوارخ—قرر كالعادة إنه ما يبصش شمال ولا يمين، وكأن العربيات هي اللي لازم تقف له خضوعاً! وفجأة… صرخة فرامل هزت الشارع كله! عربية نقل ضخمة جاية على سرعتها، السواق حاول يفادي الراجل بكل قوته، العربية زحفت على الأسفلت المبلول، وطارت ناحية عم جابر… “طااااااخ!” صوت الخبطة كان مرعب. عم جابر اتطير في الهواء كأنه عروسة قماش، ونزل على الأرض نزلة هزت عضمه. العربيّة خبطت رجله الشمال بالحديد الثقيل وهشمتها تماماً قبل ما تقف على بعد متر منه.
لحظة الحساب عم جابر كان مرمي في المطرة، الدم نازل منه، ورجله المكسورة ملوية بزاوية مش طبيعية تحت جسمه. الوجع كان أشد من أي حاجة حس بيها في حياته، كان بيصرخ بصوت مخنوق زي الذئب المجروح: “الحقوني… يا ناس… رجلي راحت!” الناس خرجت من المحلات والحارة على صوت الخبطة. اتجمعوا حواليه في دائرة… لكن الغريب إن محدش قرب. كانوا باصين له بصمت رهيب. في عيونهم مش قسوة، بس كان في احساس إن ده عدل ربنا اللي اتأخر. عم جابر بصلهم بدموع وعينين مقهورة، عينين الراجل اللي كان شايف نفسه فوق البشر ودلوقتي مرمي تحت رجليهم ومش قادر يتحرك سنتيمتر واحد.
حاول يسحب نفسه على الأسفلت البارد وهو بيصرخ: “انتم واقفين بتتفرجوا عليا؟ حد يطلب الإسعاف! ارحموني!” رد عليه واحد من الجيران بصوت هادي وبطيء: “الإسعاف طلبتها يا عم جابر… بس افتكر إن الرحمة دي حاجة أنت عمرك ما عرفتها ولا رحمت بيها حد.” النهاية جت الإسعاف وشالوه، ودخل العمليات، والدكاترة اضطروا يركبوا له شرائح ومسامير، وقالوا له إنه عمراً ما هيمشي على رجله دي تاني زي الأول، وهيقضي بقية حياته يعرج ومحتاج مساعدة.
رجع عم جابر الحارة بعد أسابيع في المستشفى… بس ممرجعش نفس الشخص. رجع مكسور، قاعد على كرسي متحرك، مش قادر حتى يرفع عينه في عين اصغر طفل في الحارة. الراجل اللي كان بيملأ الحارة صراخ وافترا، بقى يقعد في بلكونته ساكت تماماً، عاجز، وكل ما يبص لرجله المكسورة يفتكر إن الظلم ليه نهاية… وأن ربنا يمهل ولا يهمل.
