كان نفسي بابا يكون معاي اليوم ده مكنش مجرد يوم عادي في سنتنا، ده كان اليوم اللي الأرض فيه مش شايلاني من الفرحة! لما الخانة اللي فيها النتيجة فتحت ولقيت كلمة “ناجحة” جنبه المجموع اللي حلمت بيه، صر.خت بصوت سمع الشارع كله. أمي جرت عليّ، ح.ضنتني بقوة وكأنها بتضم سنين التعب والتفكير والسهر اللي عشناهم سوا.
في لحظة، شقت الزغاريد حارتنا، وأمي مكنتش عارفة تعبر عن فرحتها إزاي. نزلت بسرعة وجابت صناديق بيبسي، ووقفت بنفسها في الشارع وعلبة الكانز في إيدها بتوزع على طوب الأرض، الكبير والصغير، وهي بتضحك ودموعها في عينها وتقول بصوت عالي لكل حد معدي: “بنتي نجحت! عقبال حبايبكم يا رب!”. كانت طيرة من الفرحة، حاسة إن تعبها معايا وسهرها جنبي طوال السنة مجاش على فاضي. وسط الهيصة والصوت العالي والمباركات اللي كانت نازلة علينا زي المطر، حسيت فجأة إن قلبي اتخنق.. تسحبت بشويش من وسط الناس ودخلت أوضتي، قفلت الباب عليّ وقعدت على طرف السرير.
نزلت دموعي بجد.. مش دموع فرحة، كانت دموع حزن ووجع كاتماه جوايا من بدري. مسكت تليفوني وبصيت فيه.. مكنش فيه أي رسالة ولا مكالمة منه. أبويا اللي سابنا واتجوز واحدة تانية، وعايش حياته ومبقاش فارق معاه أي حاجة تخصني، ولا حتى افتكر يسأل أو يبارك لبنته في أكتر يوم هي محتاجة وجوده فيه. كنت بتمنى من كل قلبي يكون معايا في اللحظة دي، يربت على كتفي ويقولي “مبروك يا حبيبة بابا، أنا فخور بيكي”.
وفجأة، الباب اتفتح بالراحة.. دخلت أمي وعلى وشها ابتسامتها اللي بتنور دنيتي، بس أول ما شافتني قاعدة بدموعي، الابتسامة اختفت وحل مكانها القلق. قربت مني بسرعة، قعدت جنبي وأخدتني في ح.ضنها وقالت بصوت مليان حنية:
“مالك يا حبيبتي؟ ده اليوم اللي طول عمرنا بنحلم بيه.. بتعيطي ليه يا نور عيني في يوم فرحتك؟” رديت وانا بحاول أجمع نفسي وصوتي مخنوق بالبكاء:
“كان نفسي بابا يكون معايا يا أمي.. كان نفسي يحس بيا ويفرح معايا زي باقي الأباء، هو ليه مش فارق معاه نجاحي؟”
مسحت أمي دموعي بكف إيدها الدافية، وابتسمت ابتسامة قوية كلها رضا، وقالتلي وهي بتبص في عيني بثبات: “يا حبيبتي، اللي يختار يبعد عن حياتك في حلوها وقسوتها، ما يستاهلش يسرق منك لحظة صفو واحدة. أنا معاكي.. أنا ليكي الأب والأم والسند والضهر. أنا اللي سهرت وشيلت وعشت عشان أشوف اللحظة دي. افرحي يا بنتي ولا تزعلي نفسك، أنتِ رفعاي رأسي ومخلياني أمشي بين الناس وفخورة بيكي.. ونجاحك ده هو ردنا الحقيقي على أي حد اتخلى عنا.”
كلامها نزل على قلبي زي الملمس الناعم اللي داوى كل الوجع. بصيت لوشها اللي كبره التعب عشان تطلعني حاجة كبيرة، وحسيت قد إيه ربنا عوضني بضهر حقيقي مش ممكن يتكسر. مسحت دموعي بإيدي، وقمت ح.ضنتها بأقوى ما عندي وقلتلها:
“عندك حق يا أمي.. أنتِ دنيتي كلها، ونجاحي ده عشانك أنتِ وبس!” رجعت الابتسامة لوشي من تاني، وخرجت معاها إيدنا في إيد بعض، عشان نكمل فرحتنا مع الناس ونبدأ صفحة جديدة في حياتي، صفحة فيها أنا وأمي وبس.. وأمل كبير في بكرة!