روايات

حماتي طردت ابنها من البيت

كل يوم ابنها احمد يروح شويه يوم وعشرة لا كل يوم حماتي تقول لابنها يابني روح اشتغل أحمد نزل على السلم ورجليه مش شايلاه، الدوخة مع تأثير المادة اللي كان بيشربها خلته حاسس إن الدنيا بتلف بيه. باب الشارع اتقفل وراه بصوت هز العمارة كلها، ولقى نفسه واقف في الشارع في أنصاص الليالي، الهدوء تام ومفيش غير صوت جزمته على الأسفلت.

مرت أول ساعة وهو ماشي ومش عارف يروح فين، كل ما افتكر كلمة أمه “قاعد زي الحريم” تطلع في دماغه نيران، بس في نفس الوقت صوت ض.ربتها وصراخها كان لسه بيرن في ودنه. جرب يتصل بواحد صاحبه من اللي بيقعد معاهم على السطح، رن مرة والتانية لحد ما رد عليه بكسل: “إيه يا أحمد في إيه على نص الليل؟” “أنا في الشارع يا صاحبي، أمي طردتني ومحتاج أبات عندك النهاردة.” صاحبه اتهرب منه فوراً: “يا عم ويا فكيك، أصل أبويا صاحي ولو شافك هيعمللي مشكلة، حاول تتصرف!” وافعل الخط في وشه.

هنا أحمد حس بكسرة حقيقية؛ أصحاب المصالح وقت الجد فص ملح وذاب. نقطة التحول
قعد أحمد على رصيف في آخر الشارع، الهواء الساقع بدأ يفوقه وتأثير الممنوعات يروح، وساعتها بس حقيقة موقفه وضحت قدامه: معندوش قرش في جيبه، ولا مكان يأويه، ولا صاحب يسانده. وهو قاعد حاطط رِجله على خده، وقفت عربية نقل بضائع صغيرة قدام محل خضار ورقية بيفرش من الفجر. نزل منها راجل كبير في السن، بدأ ينزل القفاص بجهد واضح. الراجل بصل لأحمد وقال له بلهجة شديدة بس فيها حنية:

“بدل ما أنت قاعد تندب حظك في السقعة كده، تعالى شيل معايا القفاص دي وخد لك قرشين ينفعوك!” أحمد بص لإيديه اللي كانت بترتعش، ولأول مرة يفتكر كلام أمه بس بمنظور مختلف.. هل أمه كانت بتكرهه؟ ولا كانت مقهورة على شباب ابنها اللي بيضيع قدام عينها وهو مش حاسس؟ قام أحمد من غير ما يتكلم كلمة واحدة، بدأ يشيل القفاص الثقيلة مع الراجل. مع كل قفص بيشيله كان جسمه بيوجعه وصدره بيزيق من قلة الرياضة والشرب، بس كان حاسس إن الوجع ده هو الوحيد اللي بيصحي نَخوته من جديد.

المواجهة
على الساعة 8 الصبح، الراجل أداه ييجي 150 جنيه وجبتين فطار. أحمد مسك الفلوس بصدمة، دي أول فلوس يدخلها بيته من عرق جبينه من شهور طويلة. رجع أحمد على بيته، طلع السلم بخطوات تقيلة، بس المرادي مش خايف ولا مكسور. خبط على الباب بشويش.. أمه فتحت، عيونها كانت حمرا ومورمة من البكاء طول الليل، أول ما شافته جمدت ملامحها وقالت له بصرامة: “رجعت ليه؟ أنا كلامي كان واضح!” أحمد حط الفلوس في إيدها، وبص في عينها لأول مرة من زمان وقال بصوت مهدود بس ثابت:

“الـ 150 جنيه دول بتوع فطار النهاردة من شغلي.. أنا مش راجع أنام، أنا نازل أدور على شغل ثابت، وبأكدلك يا أمي.. ابنك مش هيرجع تاني زي ما ساب البيت امبارح.” أمه بصت للفلوس ولابنها، ومسكت دموعها بالعافية، وقالت له وهي بتبعد عن الباب: “الباب مفتوح للراجل اللي بيعرف يشيل مسؤوليته.. ادخل استحمى وغير هدومك وانزل اسعى على رزقك.”
اعملي لايك وصلي علي النبي عشان باقي القصه تنزل

أحمد دخل البيت بصمت. ريحة الصالة كانت لسه فيها أثر بخور أمه اللي بتولعه كل يوم الصبح، بس المرة دي كانت مخلوطة بريحة الشاي بالنعناع اللي هي متعودة تشربه. استحمى بمية باردة، وكأن المية كانت بتغسل من عليه ريحة السطح والدخان وتعب السنين اللي فاتت كلها.

طلع من الحمام لابس هدوم نظيفة، لقى أمه حاطة طاسة بيض ومقروضة عيش على الترابيزة. ما كلمتوش ولا كلمة، بس كانت بتتحرك في المطبخ وعينها عليه من تحت لفيها. أحمد قعد، أكل أكل واحد بقاله أيام ما ضاقش طعم اللقمة، ولأول مرة ياكل وهو حاسس إن عرق جبينه هو اللي جاب الأكل ده، حتى لو كانوا 150 جنيه.

أول خطوة في الشارع
أحمد نزل من البيت الساعة 10 الصبح. الدنيا كانت حر، والشارع زحمة ناس طالعة وداخلة في مشاغلها. لقى نفسه واقف في وسط الزيطة ومش عارف يبدأ منين، هو بقاله سنتين مبيعملش حاجة غير إنه يقعد على السطح يستنى الليل يجي عشان يشرب ويهرب من الواقع. بدأ يلف على المحلات في المنطقة: دخل سوبر ماركت كبير: “محتاجين شباب للرفوف؟” .. الرد كان: “معلش يا ابني اكتفينا.” دخل ورشة نجارة: “تشفوني معاكوا؟” .. صاحب الورشة بصلو من فوق لتحت وقال: “الورشة محتاجة حد صحته حامية ويستحمل الصهد، أنت شكلك هربان من المستشفى!”

الكلمة وجعته، بس المرة دي ما استسلمش ولا اتعصب. افتكر رامي وحسن، أصحابه بتوع السطح. وهو ماشي في الشارع لقاهم قاعدين على القهوة اللي في أول الشارع بيلعبوا دومينو وبيضحكوا. أول ما شافوه نادوا عليه: “إيه يا حمادة! إيه يا عم الباشا اللي سابنا امبارح وركب الناشفة؟ تعالى اقعد اشرب شاي وجرب النفس ده!”

أحمد وقف قصادهم ثواني. زمان، كان هيجري يقعد معاهم ويهر.ب من تعب تدوير الشغل. بس النهاردة، بصلهم ولقى نفسه بيشوفهم على حقيقتهم: شباب بيمو.ت بالبطيء، ومستنيين أهاليهم يصرفوا عليهم.
بصلهم وقال بثبات: “ربنا يسهلكوا يا شباب، أنا ورايا مشوار.” ومشي وسابهم ومشيوا وراه تريقة وضحك، بس هو ما ركزش معاهم. الباب اللي اتفتح
على الساعة 4 العصر، ورجليه كانت اتبرت من كتر المشي، عدى قدام مخزن قطع غيار عربيات. لقى عربية نص نقل واقفة بتنزل كراتين ثقيلة جداً، والمقاول اللي شغال هناك عمال يزعق للعمال لأنهم متأخرين وحرارة الشمس طفاهم.

أحمد قرب من المقاول وقال له: “يا حاج، أنا ممكن أساعد في تنزيل العربية دي، ومستغني عن أي حاجة لو شغلي ما عجبكش.” الراجل بص له بشك وقال: “الكرتونة دي تقيلة يا ابني، أنت قدها؟”
أحمد مسك أول كرتونة وشالها على كتفه ورصها جوة المخزن. قعد يشتغل ساعتين متواصلين من غير ما يريح دقيقة واحدة، كأنه بفرغ كل الغضب والندم اللي جواه في الشيل والحط. لما العربية فضيت، المقاول طبل على كتفه وقال له:

“أنت راجل وشغال بضمير، اسمع.. أنا عندي عامل مشي امبارح، لو عايز تستلم مكانه من بكرة من 8 الصبح لـ 5 المغرب، ليك يومية كويسة، وهسجلك معايا.” أحمد حس إن قلبك بيطير من الفرحة، مسك إيد الراجل وقال له: “أنا جاهز من بكرة يا حاج!” الرجوع للبيت
رجع أحمد البيت وقت المغربية. كان جسمه كله بيوجعه، عضلاته مشادة، وهدومه عليها تراب المخزن. بس لما فتح باب البيت ودخل، كانت مشيته مختلفة.. مفرود الظهر، وعينه فيها أمل.

أمه كانت قاعد في الصالة بتخيط ملاية قديمة. أول ما دخل، بصت على منظره والتراب اللي على هدومه، وجت عينها في عينه. أحمد طلع من جيبه اليومية اللي أخدها من شغل الساعتين، وحطها على الترابيزة قدامها وقال: “ده العربون بتاع شغل ثابت هبدأه من بكرة الصبح يا أمي.. المخزن بتاع الحاج عبد الصمد.” أمه بصت للفلوس، وبعدين بصت لوجهه اللي كان باين عليه التعب بس نديان بالكرامة. للمرة الأولى من سنين، ملامح وشها الفولاذية انكسرت، ودمعة نزلت من عينها. قربت منه ومسكت إيده وقالت له بصوت دافي:

“الله يرضى عليك يا ابني.. كده أنت ابن أبوه بجد.. ادخل ارتاح، العشا جاهز.” أحمد قعد على السفرة، ولأول مرة من زمان حس إن البيت ده بيته، وإن السطح والممنوعات بقوا مجرد كابوس قديم صحي منه للأبد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى