منوعات

«جهّزي أكل لـ 23 فرد، وأوعي يفكر عقلك تطلبي مليم!

«جهّزي أكل لـ 23 فرد، وأوعي يفكر عقلك تطلبي مليم!».. ده اللي قالتوه حماتي بعد ما استخدمت مطعمي كأنه بوفيه مفتوح ومجاني لمدة 5 سنين. جوزي كالعادة طلب مني أعدي الموضوع، بس أنا المرة دي سكت، غيرت كالون الباب، وقفلت المطعم خالص. ولما جه المعازيم كلهم، فيه فاتورة مش متوقعة كشفت كدبتها الكبيرة أمام الكل! ​الجزء الأول ​— «يعني إيه المطعم مقفول؟! هي نورهان اتجننت؟ دي عارفة إن فيه 23 واحد جايين النهارده!» ​صوت الحجة ماجدة كان مسمع في الشارع كله، وأعضاء فرقة الإنشاد اللي معاها واقفين يبصوا للرول الصاج، والجنزير القوي، واليافطة اللي لسة ملزوقة جديد على الباب:

“المطعم مغلق يوم الأحد لراحة العاملين”. بس عشان تفهموا ليه حماتي انتهى بيها المطاف واقفة بتترعش من الاحراج قدام الناس دي كلها، لازم نرجع خمس أيام لورا. ​أنا اسمي نورهان، وأنا وجوزي أحمد بنُدير مطعم أكل بيتي صغير جنب حارة الحسين. على مدار خمس سنين، كانت الحجة ماجدة بتتعامل مع المطعم كأنه بتاعها من غير ما تدفع مليم. كل يوم حد تجيلي ومعاها 10، 15، أو حتى 20 واحد من زمايلها في جمعية تحفيظ القرآن وفرقة الإنشاد. يطلبوا طواجن بامية باللحمة، ومحشي مشكل، وفتة، وشوربة كوارع، وحلو كمان..

وبعد ما يخلصوا أكل يقوموا يمتدحوا في الأكل، وحماتي تبتسم بكل فخر وكأنها هي اللي أطعمتهم من جيبها! وما حدش فيهم بيدفع جنيه واحد. ​في اليوم ده، كلمتني في التليفون عشان تبلغني إنها هتحتفل بتجديد رئاستها للجمعية عندنا في المطعم: — «حسابنا هيكون 23 فرد. عايزة طواجن لحمة ورز معمر ومحشي، ووزعي شربات وحلو على الكل، وعايزة هدايا تذكارية للضيوف.. خلي القعدة تشرف.» ​رديت بحسم: — «بس يا حجة، الأحد الجاي ده إحنا مش فاتحين. فريدة عندها أول حفلة بيانو في المدرسة، وعمر عنده نهائي دوري المدارس ومختارينه كابتن الفريق.. إحنا وعدناهم نكون معاهم.» ​ردت بزعيق:

— «العيال لسة قدامهم حفلات وماتشات كتير! إنما رئاستي للجمعية دي مش بتتكَرر كل يوم! وبعدين أنتم ناسين إن خيركم من خيري والزبائن دي كلها جاية بسببي؟» ​ولما سألتها بكل هدوء مين اللي هيدفع حساب الأكل ده كله، اتعصبت وقالت: — «أنا يتطلب مني فلوس يا نورهان؟ عايزة ​هل حابة تكملي الجزء الثاني بنفس النمط والعامية المصرية؟

وقف “عماد” وسط الصالة، حاطط إيده في جيبه وبيبصلي بابتسامة متشفية فيها كل أنواع الانتقام والكسرة. كان عارف إني معاييش ولا مليم، وإن حسني في البنك مقفول بقرار منه بعد ما خد كل صلاحيات إدارة الممتلكات بناءً على التوكيل اللي مضاني عليه بالغصب من شهرين. «جهّزي أكل لـ 23 فرد، وأوعي يفكر عقلك تطلبي مليم!.. العيلة كلها جاية على العشا، وأمي هي اللي هتقيّم أكلك بنفسها.. ولو الأكل ما عجبهومش، أو القعدة ما كملتش على أكمل وجه، هتطلعي من البيت ده بشنطة هدومك زي ما دخلتيه، ويا أنا يا إنتي يا “نوران”!»

قال كلماته ورزع الباب وراه بثقل، وسابني واقفة في نص الصالة والصمت بيصرخ في كل ركن. 23 فرد! العيلة كلها جاية! عمامه، وأمه، وأخواته البنات اللي ما بيفوتوش غلطة. والساعة كانت 2 الضهر، يعني قدامي بالضبط 5 ساعات عشان أجهز عزومة تكفي جيش.. بدون جني واحد في جيبي! قعدت على الأرض من الصدمة، والدموع نزلت حامية على خدي. عماد ما كانش عايز أكل، عماد كان عايز يكسرني قدام أهله، يخليهم يشوفوني عاجزة وفاشلة، عشان يديهم المبرر اللي بيحلموا بيه من يوم ما اتجوزنا: “شفتوا؟ ما تنفعش تكون ست بيت، ولا تصون النعمة!”.

غمضت عيني وافتكرت كلام أمي الله يرحمها: “الست الشاطرة تغزل برجل حمار يا نوران.. وما تسلميش رقبتك للظروف أبداً”. سحت دموعي بفردة كمي، وقمت وقفت. القوة خرجت من جواه فجأة زي النار. مش هسيب عماد يفرح فيا، ومش هسيب أهله يشمتوا فيا. جريت على المطبخ، وفتحت التلاجة والمؤونة (الخزين).. وبدأت أعمل حصر شامل للـ “كنز” المنسي اللي عماد ما كانش يعرف إنه موجود. كان عندي: شيكارة رز 10 كيلو كانت مستخبية في قعر التربو. كيلو شعرية.

3 كيلو دقيق، وكيس نشا، وكمية كيس بسلة وجزر مجمدين من الشهر اللي فات. في الفريزر: فرختين كاملين، وكيلو لحمة مفرومة، وكيس كبد وقوانص. طماطم وبصل وبطاطس بكميات معقولة. بهارات ومكسرات (لوز وزبيب) كان باقيين من رمضان. المشكلة مش في الأكل نفسه، المشكلة هي: ازاي أحول الأكل القليل ده لعزومة ملكية تبهر 23 فرد وما تبانش إنها “توفير”؟ مسكت ورقة وقلم وبدأت أخطط كأني داخلة معركة حرب: 1. المشروب والمقبلات: بدل العطائر الجاهزة الغالية، عملت خاف معطر بـ “تمر هندي” و”كركديه” مركزين كانوا في الخزين، وحطيتهم في دوراق زجاجية شيك جداً مع ثلج ونعناع طازة.

شوربة لسان عصفور سخنة ومتبلة ببهارات صحيحة، مع عصير ليمون. 2. الأطباق الرئيسية (الخدعة الكبرى): الأرز بالخلطة والشوربة الملكية: طبخت الرز بالشعرية والقرفة والكاري، وجملت الوش بالزبيب واللوز المحمص، وحطيت فوقه الكبد والقوانص بعد ما شوحتها بتتبيلة صينية رهيبة (دبس رمان وثوم وبصل). صينية بطاطس بالدجاج: قطعت الفرختين على 16 قطعة! أيوه، كل فرخة 8 قطع صغيرة، وتبلتهم بتتبيلة بصل وطماطم وزبادي وبابريكا، ورصيتهم على صواني بطاطس ضخمة شرائح. الشكل كان مشهي جداً ومطبوخ بطريقة تسوية بطيئة تخلي اللحمة تذوب.

طاجن مسقعة باللحمة المفرومة: خديت نص كيلو لحمة مفرومة، وعملت بيه صينية مسقعة بالبذنجان والفلفل رومي، وكتّرت الصلصة والبصل عشان تزيد وتكفي. كفتة الرز/الحاتي المزيفة: النص كيلو التاني من اللحمة المفرومة ضفت عليه برغل منقوع وبصل وبقدونس وشوفان مطحون عشان يضاعف الحجم، وعملت منه صوابع كفتة مشوية في الفرن على سياخ، وريحتها كانت تجنن بقطعة فحمة مشتعلة في الزيت. 3. السلطات والمقبلات (عشان السفرة تتملي): سلطة خضرا بلدي بلونك الجميل. سلطة طحينة. مخلل بيتي من اللي كنت عاملاه بنفسي.

سمبوسك حشيتها مكس جبن قديمة مع نعناع وزيتون كان في الثلاجة. الساعة بقت 6:30 مساءً. المطبخ تحول لورشة عمل. العرق نازل مني، إيدي اتجرحت من السكينة، بس الطاقة اللي جوايا كانت عجيبة. غيرت هدومي، لبست أشيك فستان عندي، وحطيت مكياج هادي يتحدى كل التعب اللي في وشي، وبخرت البيت بريحة عود راقية جداً. الساعة 7:00 تماماً.. رن جرس الباب. فتحت.. كان عماد واقف، ووراه أمه “حاجة فاطمة”، وأخواته، وعمامه بسبابهم وعيالهم. عماد بصلي بابتسامة خبيثة، وكان مستني يشوف المطبخ فاضي، أو يشوفني بعيط وبترجاه يلحقني بأكل جاهز.

دخلت الحجة فاطمة وبصت في الصالة، ريحة الأكل والبخور كانت مالية المكان. «أهلاً وسهلاً نورتونا.. اتفضلوا العشا جاهز».. قلتها بثقة وهدوء غريب. عماد عينيه وسعت من الصدمة، ودخل المطبخ كأنه مجنون عشان يشوف المهزلة.. بس اتفاجئ بالسفرة! السفرة كانت متغطية بـ 8 أطباق رئيسية، صواني بطاطس بالفراخ المحمرة باللون الذهبي، أطباق رز بالخلطة والمكسرات شكلها يفوق المطاعم، صواني كفتة وطواجن مسقعة وروايح تجوع الشبعان. القعدة بدأت.. والحجة فاطمة أكلت وأخواته بياكلوا وبيشكروا في الأكل بشكل مش طبيعي. «الله يا نوران! الفراخ دايبة دواب، والكفتة دي منين؟ دي ريحتها جابت أخر الشارع!».. قالتها اخت عماد الكبيرة.

عماد كان بياكل وهو ساكت تماماً، عينه مش قادرة تتلاقى مع عيني. كان حاسس بالهزيمة الساحقة. ما قدرش ينطق بكلمة واحدة، ولا قدر يكسرني قدام أهله زي ما خطط. بعد ما العيلة مشيت وأنا بودعهم بابتسامة، والحجة فاطمة ح.ضنتني وقالتلي: “تسلم إيدك يا بنتي.. عماد محظوظ بيكي، ست بيت ووش خير”.. قفلت الباب.. وساد السكون. لفيت لعماد اللي كان واقف في الصالة، يبصلي بذهول وعجز. قربت منه ببطء، وحطيت إيدي في وسطي وابتسمت ابتسامة هادية جداً وقالتله بصوت واطي بس يرعب:

«الأكل عجبهم يا عماد؟.. طمّني، كفّيت ووفّيت؟.. عايزة أقولك بس معلومة صغيرة.. الأكل ده كله اتعمل من غير ما أدفع مليم واحد من جيبك.. بس في نفس الوقت، الأكل ده كان آخر وجبة هطبخها في البيت ده.. لأن اللي يراهن على كسر كرامة مراته، ما يستاهلش يعيش معاها دقيقة واحدة!» مسكت شنطتي اللي كنت مجهزاه من الصبح، وفتحت الباب وخرجت، وسبته واقف في نص الصالة، مذهول ومكسور من نفس السلاح اللي حاول يكسرني بيه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى