المستشفى دي لم تكن مجرد مكان للعلاج، دي كانت بالنسبة لي قلعة من السيراميك الأبيض البارد، ريحة المطهرات فيها تخنق أي أمل. هناك، من 3 أسابيع بالضبط، اتولد ابني الأول “يوسف”. يوسف اتولد بدري شويه، في نص الشهر السابع، وكان حتة لحمة حمرا صغيرة أوي. خدو مني على طول وحطوه في حضّانة الولادة في الدور الرابع. أجهزة وخرطوم طالع وداخل من جسمه الصغير، وصوت تكتكة جهاز النبض هو الحبل الوحيد اللي كان رابطني بالدنيا. كنت بقف كل يوم ورا الزجاج البارد، أحط إيدي عليه وأتخيل إني مسند إيدي على جسمه الدافي.
وفي ليلة التلات، الساعة كانت دخلة على 3 بعد نص الليل، تليفوني رن. صوت الدكتور على الناحية التانية كان ناشف ومحسب، وبيحاول يبتلع ريقه: “أستاذ أحمد… البقاء لله. الولد جاله هبوط حاد فجأة في الدورة الدموية، وما لحقناش نعمله حاجة.” التليفون وقع من إيدي. الموت حق، وعارف إن ده ممكن يحصل… بس اللي حصل بعد المكالمة دي هو اللي طير برج من عقلي. الفصل الثاني: الاختفاء العجيب
نزلت جري وركبت عربيتي، 40 دقيقة وكنت جوه المستشفى. الطرقات كانت ضلمة وساكتة، مفيش غير إضاءة الطوارئ الخافتة. طلعت جري على الدور الرابع، بس الدكتور النبطشي وقفتي على باب الحضانات ومارضيش يدخلني، وأخدني من إيدي على مكتب مدير المستشفى. المدير كان بيقلب في شويه ورق قدامه ومن غير ما يرفع عينه في عيني قال: “شد حيلك يا أستاذ أحمد.. الإجراءات تمت، والجثة نزلت الثلاجة تحت، وتعالى الصبح استلم أوراق الوفاة.” اتجننت. قولتله: “لا، أنا لازم أشوفه، لازم أودعه وألمسه!” وبعد خناق وزعيق، الدكتور النبطشي وافق وينزل معايا البدروم عند ثلاجة الموتى.
الست المسؤولة عن الثلاجة فتحت الباب الصاج، وبدأت تسحب الأدراج واحد ورا التاني… يوسف ملوش أثر! فتحت السجلات، دورت في كل اسم، بس الدفتر كان أبيض ومفيش فيه أي تدوين لخروج أو دخول جثة طفل في الليلة دي. الست بصت لي باستغراب وقالتلي: “يا أستاذ، النبطشية دي محدش نزلنا أي طفل من الحضّانات أصلاً!” طلعت السلم طيران للدور الرابع. الحضّانة رقم (12) اللي كان فيها يوسف كانت فاضية، ومغسولة ومتعقمة على الآخر! لا اسم يوسف مكتوب، ولا الورقة اللي فيها بياناته موجودة!
لما واجهت مدير المستشفى، نبرة حزنه المزيفة اتغيرت فجأة لوش ناشف وحاد: “يمكن حصل غلط إداري في النقل، أو شركة الدفن المتعاقدة معانا سحبت الجثة بالغلط.. سيب الموضوع علينا ونحن بنحقق.” شركة دفن؟! تسحب جثة طفل من غير ما الأب يوقع؟! ومن غير تصريح دفن رسمي؟! الفصل الثالث: خيوط المؤامرة بدأت أدور بنفسي. الممرضة اللي كانت مسؤولة عن نبطشية يوسف الليلة دي، اسمك “سارة”، اختفت فجأة! تليفونها مقفول، ولما رحت العنوان المسجل في ملفها، الجيران قالوا لي إنها لفت شنطها ومشيت في عربية بضائع على الساعة 2 بالليل!
ساعة قبل ما يكلموني ويقولوا لي إنه مات! ليه ممرضة تهرب لو الطفل مات موته ربنا؟ استعنت بـ صاحب لي شغال في شبكات المحمول، وقدر يجيب لي سجل المكالمات اللي خرجت من خط سارة في الليلة دي. كان في رقم واحد اتصلت بيه 3 مرات ورا بعض قبل الشغلانة دي بساعة… رقم مميز جداً، مسجل باسم شركة حراسات وأدوية كبرى. وفي نفس الوقت، بدأت ألاحظ عربية جيب سوداء بفيميه غامق واقفة تحت البيت عندي. تمشي ورايا مطرح ما أروح.. كأن في حد بيوصل لي رسالة من غير كلام: إحنا شايفينك.. بلاش تلعب بالنار.
الفصل الرابع: الأمل المظلم بعد أسبوعين من اللف والدوران، والشرطة رافضة تعمل محضر خطف لأن المستشفى قدمت إقرار مزور بالكامل فيه إني استلمت الجثة ووقعت بنفسي! وصلني ظرف بني مقفول اتحدف من تحت باب الشقة. فتحت الظرف وإيدي بتترعش.. جوه الظرف كان في صورة فورية (Polaroid) لطفل نونو خالص، لابس حظاطة في إيده المكسوة مكتوب عليها رقم (12)، وتحت الصورة مكتوب بخط الإيد: “ابنك عايش وبيتنفس.. بس الوقت بيجري. لو عايز تفهم اللعبة، امشي ورا الأرقام.”
الطفل في الصورة كان عنده حسنة صغيرة أوي ورا ودنه الشمال… نفس الحسنة اللي علمتها في يوسف أول يوم اتولد فيه! الشكوك اللي هتحرق عقلي أنا النهاردة واقف في نص الطريق. المستشفى بتقول مات، والأوراق المزورة حابساني، والشرطة فاكراها خناقة إدارية.. والصورة اللي في إيدي بتقول إن ابني ملعوب بيه في سر كبير، ومحبوس في مكان مجهول. مين اللي يخطف طفل رضيع من قلب حضّانة في مستشفى مشددة؟ إيه علاقة شركة الأدوية بالممرضة؟ ومين ده اللي بيراقبني وبيبعتلي الرسائل دي؟
اللي فات ده كان مجرد تسخين… الحقيقة أغرب من الخيال. الفصل الخامس: شفرة “الأرقام” قعدت على الأرض والظرف في إيدي. عينيا رايحة جاية بين صورة يوسف وجملة “امشي ورا الأرقام”. أي أرقام؟ مسكت الصورة وقلبتها. ظهر تحت كارت الفิلم الفوري كتابة باهتة بخط صغير جداً كأنه مكتوب بسن دبوس: 30.0452 , 31.2357 دي مش مجرد أرقام… دي إحداثيات (GPS)! جبت تليفوني ودخلت الإحداثيات على الخريطة بسرعة. النقطة الحمرا معلمة في منطقة مهجورة ومقطوعة على أطراف طريق سقارة الزراعي، مخزن قديم للمستلزمات الطبية مهجور من سنين.
الساعة كانت 1 بالليل. طلعت تجري، وركبت عربيتي. أول ما دورت المحرك، لمحت في المنظرة الخلفية أضواء النور العالي للعربية الجيب السودا وهي بتنور وتطفي ورايا عند أول الشارع. كانوا مستنييني أتحرك! ضغطت بنزين لآخره. دخلت بين الشوارع الضيقة في المعادي عشان أهرب منهم، زئير الموتور كان بيرن في الشوارع الفاضية. كسرت أول إشارة، ودرت يمين في شمال بسرعة جنونية لحد ما قدرت أضيعهم بين زحمة الشاحنات على الطريق الدائري.
وصلت للمنطقة المهجورة. ركنت العربية بعيد في الضلمة بين الشجر، ونزلت مشي. الريحة كانت زفرة، وصوت الصراصير في الزرع يخوف. المخزن كان عبارة عن مبنى صاج قديم ومصدي، بابه الوراني مقفول بسلسلة متآكلة. ضربت السلسلة بحجر كبير مرتين لحد ما اتكسرت، ودخلت جوه. الفصل السادس: المسرح المظلم المكان جوه كان عبارة عن مقبرة للمعدات الطبية القديمة: أجهزة أشعة مكسورة، أسرّة مستشفيات مصدية، وأكياس محاليل فاضية مغطاة بالتراب. فجأة، سمعت صوت! تكتكة منتظمة… صوت أنا عارفه كويس أوي. صوت جهاز نبضات القلب اللي كان جنب يوسف في الحضّانة!
مشيت ورا الصوت بالراحة، ماسك كشاف التليفون في إيد والإيد التانية قابضة على قطعة حديد لقيتها على الأرض. الصوت كان جاي من غرفة معزولة بلوح زجاجي في آخر المخزن. قربت من الزجاج… وذهولي شل حركتي! جوه الغرفة المعزولة، ما كانش في طفل واحد… كان في 4 حضّانات حديثة أوي وشغالة بمولد كهربا صامت، وجوه كل حضّانة طفل رضيع! وعلى إيد كل طفل حظاطة بنفس الرقم “12”! أجهزة التتبع كانت شغال، والأطفال كانوا نايمين تحت تأثير مادة مخدرة خفيفة.
وفجأة، اتفتح باب الغرفة من الناحية التانية، ودخلت “سارة”… الممرضة الهاربة! الفصل السابع: الحقيقة المرعبة صرخت فيها وأنا بكسر باب الغرفة الزجاجي: “سارة! يوسف فين؟ عملتي إيه في ابني يا مجرمة؟!” سارة اترعبت، وقعت الأوراق اللي كانت في إيدها على الأرض، وجريت تستخبى ورا الأجهزة وهي بتبكي بهستيريا: “يا أستاذ أحمد والله أنا ماليش دعوة! أنا كنت بصلح غلطتي! أنا اللي بعتلك الظرف والصورة!” وقفت مكاني متسمر: “أنتي؟!”
قالت وهي بتشهق من الخوف: “المستشفى دي مش مجرد مستشفى… دي واجهة لشبكة تهريب وتجارة في العينات الجينية والأطفال لصالح مركز أبحاث غير شرعي بيمتلكه رئيس مجلس إدارة شركة الأدوية! بياخدوا الأطفال اللي اتولدوا مبتسرين (بدري) وبيفبركوا وفاتهم، عشان يجربوا عليهم أدوية جينية جديدة بمليارات الجنيهات قبل ما ينزلوها السوق!” قلبي كان هيقف من البشاعة… “ويوسف؟ فين يوسف في دول؟!” شلت صباعها المرتعش وشاورت على الحضّانة رقم 3.
جريت عليه. كان نايم، صدره بيطلع وينزل ببطء. شلته بين إيديا، ضميته لصذري لأول مرة في حياتي… ريحته، ملمس جسمه الصغير… هو يوسف! الحسنة اللي ورا ودنه كانت بتأكد لي إني مش بحلم. سارة كملت بكلام سريع ومذعور: “لازم نمشي فوراً! الدكتور مدير المستشفى ورجالته جايين في السكة… عرفوا إن الأوراق اتسربت وإنك بتدور!” الفصل الثامن: المواجهة الأخيرة قبل ما نكمل كلامنا، إضاءة كشافات عربيات قوية ضربت في زجاج المخزن من برة. صوت سرينة وأبواب عربيات بتقفل بقوة.
جاء الصوت من مكبر صوت برة: “أستاذ أحمد… اخرج وإيدك على راسك وكركـر الولد. أنت كدة بتبوظ مشروع بمليارات.. مش هنسيبك تخرج حي من هنا.” كانوا المحامين ورجال الأمن التابعين لشركة الأدوية، ومدير المستشفى نفسه كان واقف معاهم! سارة اتجمدت مكانها: “أحنا ضعنا…” بصيت لـ يوسف اللي بين إيديا، وللأطفال التانيين اللي في الحضّانات. خوفي تحول لغضب أعمى. قربت من لوحة الكهرباء الرئيسية للمخزن، وبقطعة الحديد اللي في إيدي، ضربت كابلات المولد الرئيسي! أنوار المخزن انطفت تماماً… وساد الضلام الكاحل.
بدأ الرصاص يضرب بغزارة على الصاج الخارجي، ورجالة الشركة بدأوا يدخلوا المخزن بكشافاتهم. استخدمت معرفتي بالمكان الضيق، وأخدت سارة ويوسف واستخبينا ورا ثلاجة حفظ قديمة. طلعت تليفوني بسرعة، ودخلت على خدمة البث المباشر (Live) في فيسبوك وإنستجرام، وفتحت الكاميرا ووجهتها على سارة وعلى الحضّانات وعلى أصوات الرصاص والرجال المسلحين، وصرخت بكل صوتي في البث: “أنا مواطن مصري… ابني اتخطف من حضانة مستشفى (….) وبتم المتاجرة بيه وبأطفال تانيين في المكان ده! أنا المحاصر دلوقتي تحت الرصاص في طريق سقارة! أنقذوا الأطفال دول!”
في دقائق، البث المباشر وصل لآلاف المشاهدين، والناس بدأت تشير الفيديو بغزارة، والتعليقات والمنشورات انفجرت على السوشيال ميديا! الفصل الأخير: نهاية الكابوس… ولكن! بعد أقل من 20 دقيقة من البث المباشر، سمعنا أخيراً الأصوات اللي كانت الكابوس الحقيقي للعصابة… سرينات أجهزة الشرطة وسيارت العمليات الخاصة! الشرطة كانت تتبعت البث المباشر وتحديد موقع التليفون! اقتحمت قوات الشرطة المخزن، وتبادلت إطلاق النار مع حراس الشركة لحد ما سيطروا على المكان بالكامل. تم القبض على مدير المستشفى، ورجال الأمن، وسارة الممرضة التي سلّمت نفسها واعترفت بكل شيء وشهدت ضد الشبكة.
دخلت سيارات الإسعاف ونقلت الأطفال الأربعة – ومن ضمنهم يوسف – لمركز طبي حكومي مؤمن تحت حراسة مشددة. النهاردة… النهاردة، وبعد مرور شهرين على الليلة دي… قاعد في الصالة في بيتي، والشمس داخلة من الشباك. يوسف في حضني، كبر شويه وبقى بيبتسم لما يشوفني. القضية بقت قضية رأي عام مكبرة، والمستشفى اتقفلت وجميع المتورطين في السجن بانتظار أحكام مشددة. لكن… النهاردة الصبح، وأنا بفتح صندوق البريد تحت البيت، لقيت ظرف بني صغير تاني. فتحت الظرف… كان فيه ورقة بيضا مكتوب فيها كلمة واحدة بس بخط أسود تقيل:
“فاكر إنها خلصت؟.. ده كان مجرد فرع واحد من الشجرة.” بصيت ليوسف… وضميته بقوة. وعرفت إن المعركة الحقيقية… يادوبك لسه بتبدأ!