منوعات

ز.ورت تقارير انى مبخلفش علشان متجوزش عليها

كان الليل ساكت وساكن على حي السيدة زينب، والكل نايم، بس في بيت «محمود» النور كان لسه منور في الأوضة الصغيرة اللي جوه. محمود قاعد على طرف السرير، وماسك في إيده ورقة طبية مكتوب فيها بخط عريض: «عقم تام.. ولا يوجد أمل في الإنجاب». الورقة دي كانت بالنسبة له صدمة تزلزل الجبال، بس الأغرب إنه هو اللي مزورها! البداية: الخطة الملـ,ـعونة

محمود كان متجوز «زينب»، بنت عمته، حب حياته اللي عاش معاها خمس سنين من أحلى سنين العمر. زينب كانت ست البيت الأصيلة، اللي بتستقبله بضحكة تنسيه تعب الشغل، واللي عمرها ما قصرت في حقه بحرف. بس السرطان كان بينتشر في عائلته من ناحية أمه؛ خاله وجدّه ماتوا وهما بيتمنوا طفل، وأمه فضلت تزنّ على ودان محمود ليل ونهار: — «يا ابني الحق نفسك.. اتجوز واحدة تانية تخلفلك عزوة.. زينب بنت عمك على عيني وعلى راسي، بس البيت من غير عيال خربة، وأنت راجل لازم يكون ليك ضهر وسند!»

محمود كان بيحاول يهـ,ـرب من الكلام ده، بس الضغط كان فوق طاقتة. أمّه جابت له عروسة تانية جاهزة، بنت ناس وعلى أصل ومنظر، وبقت تضغط عليه بكل الطرق. عشان يهرب من الجحـ,ـيم ده، ومن غير ما يفكر في العواقب، عمل الأسوأ: اتفق مع واحد صاحب, له في السكة دي، يزوره تقارير تحليل طبية كاذبة ومختومة بخاتم مزور، بتقول إنه «عقيم» ومن المستحيل يخلف.

هدفه كان خبيث ومؤقت في نفس الوقت: يطلع نفسه من الحكاية دي قدام أمه وأهله، ويقفل باب الجواز التاني نهائي، ويقعد مع زينب العمر كله من غير إزعاج. لكنه مكنش عارف إنه بيفتح باب جهنم على نفسه، وإن الغش دايماً بيكلف صاحبه أكتر بكتير مما يتخيل. الصدمة الأولى والمسكنات الكدابة أول ما محمود رمى الورقة دي في وش أمه، البيت اتقلب. أمه صرخت ولطمت على وشها وقالت: — «يا نهار أبيض! عقم مرة واحدة؟! طب والبنت اللي كنت هجوزهالك؟ هقول لبوها إيه؟! عيب يا ابني، استتر على نفسك وامسحها فيا!»

محمود نفّذ اللي كان عايزه، بس وهو حاسس بغصة في حلقه. راح لزينب، حضنها جامد وقعد يعيط زي العيال الصغيرين، وقالها: — «يا زينب.. أنا عملت تحليلك أنتِ وطلع عندي مشكلة كبيرة.. الدكاترة بيقولوا مفيش نصيب نخلف.. بس والله العظيم بحبك ومش هبدلك بكنز الدنيا!» زينب دمعت، وبصت في عينه بحنان الدنيا وقالتله بصوت دافئ: — «يا محمود، الجنازة مش بتتعوض بالخلفة.. ربنا هو الرزاق، وأنا راضية بقسمة ربنا طول ما أنت معايا وفي ضهري. ولا يهمك من حد!»

محمود اطمأن، وقال في نفسه: «خلاص، اللعبة نجحت، وكل واحد راح لحاله، وأنا وزينب هنعيش في مية بصل». بس هو مكنش عارف إن ورق الكدب ده ليه عمر، وإن الحقيقة مهما اتدفـ,ـنت لازم تطلع للسطح يوم من الأيام. عاصفة بعد الههدوء عدت سنتين وكأنهم سنة، والحياة مشيت. محمود نسي قصة التقرير المزـ,ـور دي خالص، واندماج في شغله كمحاسب في شركة كبرى في وسط البلد.

لحد يوم الجمعة، والجو كان حر وشديد الرطوبة. محمود كان نايم في الصالة، وساب تليفونه على الترابيزة. زينب كانت بتنظف وترتب، وفجأة التليفون رن بصوت عالي. بصت لقت رسالة واتساب باينة على الشاشة من رقم غريب، ومكتوب فيها: «يا أستاذ محمود، الفلوس اللي اتفقت عليها مقابل التقرير الطبي المزيـ,ـف من سنتين لسه مخدتش بقيتها.. لو متصلتش بياانهاردة، أنا هجيب الورقة دي لحد بيت مراتك وأعرفها الحقيقة كلها!»

زينب اتجمدت مكانها. الدم كأن اترشف من وشها. التقرير المزيـ,ـف؟! تقرير إيه؟! جوزها عقيم.. ولا دي كذبة؟ دقايق وراسها كانت هتنفجر من كتر الأفكار. فتحت الرسالة، ولقيت كمان صورة مرفقة لنسخة من التحليل المزيـ,ـف اللي محمود خباها في درج قديم في الدولاب. زينب مدمعتش، ولا صرخت. الهدوء الغريب ده كان سكون ما قبل العاصفة. دخلت على الدولاب، دورت لحد ما طلعت الورقة الأصلية المزورّة ومقارنتها بالصورة. لقت الخط هو هو، والخاتم المزيـ,ـف هو هو. محمود صحي علـ,ـى صوت قفل الباب بيتفتح وبيتقفل بعنف. قام مفزوع، نادى: — «يا زينب! يا زينب كنتي فين؟»

محدش رد. بس لقى الورقة المزورة منشورة في نص الترابيزة، وجنبها دبلته اللي كان لابسها من يوم ما اتجوزوا. رحلة الانتقـ,ـام الهادئ محمود حس إن روحه بتسحب منه. جري على الشارع، سأل الجيران، اتصل بموبايلها بس التليفون مقفول. عرف إنها راحت عند أبوها في منطقة إمبابة الشعبية. ركب عربية طيران لحد هناك، وطلع جري على الشقة. خبط بعنف لحد ما باب الشقة اتفتح. عمه (أبو زينب) كان واقف ووشه متشحح غضب، وزينب قاعدة جوه وعيونها حمرا من العياط بس ملامحها ثابتة زي الصخر.

— «أنت جاي بكل عين تقف قدامي يا محمود؟!».. عمّه اتكلم بصوت عالي هز الحيطان. — «يا عمي اسمعني.. الموضوع مش زي ما انتم فاهمين.. أنا كنت خايف..» — «خايف من إيه؟ خايف تتجوز عليا؟ خايف من كلام أمك؟ فكدبت وقولت إنك عاجز ومش بتخلف، وكسرت بنت أخويا وراضيتها بالصدقة والعطف وهي مفكرة إن العيب منك أنت؟!».. زينب قاطعت كلامه بصوت حاد وكأنها بتضـ,ـرب مسامير في نعش جوازهم.

محمود بلع ريقه بصعوبة وقال: — «يا زينب أنا عملت كده علشان بحبك.. علشان مكنتش عايز أجيب واحدة تانية تشاركني فيكي!» — «الحب مش كدب يا محمود.. الحب مش طـ,ـعنة في الظهر.. أنت فضلت تضحك عليا سنين، وتخليني أحس بالذنب كل ما أشوف طفل في الشارع، وتقنعني إحنا الاتنين صابرين لأمر ربنا، وأنت أساساً كذاب وبتلعب بيا! الورقة دي هتكون سبب طلاقنا، ومش بس كده.. أنا هعرف الكل حقيقتك علشان مفيش ست تانية تثق فيك بعد كده.»

المفاجأة الكبرى محمود حاول يترجاها، بس زينب كانت قفلت الباب في وشه نهائي. رجع شقته وهو حاسس إن الدنيا اسودت في وشه. الشقة كانت وحشة، باردة، وخالية من أي روح. أمه لما عرفت باللي حصل، لطمت على وشها وقالت: — «قلتلك الكدب ليه رجلين، بس أنت ما سمعتش الكلام!» عدت شهور ومحمود كان في حالة يرثى لها. شغل ملوش طعم، وأكل ملوش طعم، والناس في الشغل والعائلة بقوا يبصوا له بنظرة شفقة أو احتقار. حاول يصالح زينب بكل الطرق، بس رفعت عليه قضية خلع وقالت كلمتها المشهورة قدام القاضي: «الرجل اللي يكدب في عرضه ورجولته، ميتأمنش على عمر ولا عيشة».

وفي يوم، وهو ماشي في الشارع تعبان وتايه، قابل الراجل اللي عمله التقرير المزيف بالصدفة البحتة. محمود هجم عليه ومسكه من ياقته وقال بغضب: — «بسببك أنت والورقة الزفت دي حياتي اتخربت ومراتي سابتني!» الراجل ابتسم ببرود وقال له: — «يا أستاذ محمود، أنا عملت اللي طلبته مني.. بس تصدق بالله؟ لو كنت سبت الإله يرزقك بالطريقة الطبيعية، أو كنت واجهت أمك بشجاعة، مكنش حصلك كده.. الكدبة بتبدأ صغيرة وبتكبر لحد ما تبلع صاحبها!»

محمود ساب الراجل ووقف في نص الشارع، باصص لساعته، وحاسس بمرارة الندم اللي بتكوي قلبه. اكتشف ساعتها إن أغلى حاجة خسرها مش بس مراته، دي كانت كرامته وثقة الناس فيه، وإن أحياناً الحيل اللي بنعملها علشان نهـ,ـرب من المشاكل، هي نفس الحيل اللي بتغرقنا في بحر ملوش قاع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى