في حارة هادية بوسط الرياض، كانت الحياة ماشية على البركة مع أمي “حصّة”. مرة عجوز، وجهها ينبض بالرضا والطيبة، ما تعرف في الدنيا إلا صلاتها ودعواتها لنا بالستر والرزق. أبوي توفـ,ـى وخلفنا وأنا صغير، وما قصرت أمي معنا أبد؛ باعت ذهبها وشقّت طريقها لين صرت مهندس قد الدنيا، وصار عندي بيت ومرأة وألف حساب.
لكن الواحد أحياناً يضيّع بوصلته إذا سيطر حب الزوجة على البصر والبصيرة. تزوجت “ريم”، بنت صغيرة في سنها، ما تقدر لا عِشرة ولا تعب سنين.
ريم كانت متكبرة، دايماً تشوف نفسها فوق الكل، وما تحب تختلط بأحد، وحتى أمي -اللي كانت تعاملها كأنها وحدة من بناتها- ما سلمت من لسانها وسـ,ـمّ كلامها الخفي. في البداية، كنت أحاول أرقع وأسكت، وأقول: “بكرة تتعود وتعرف قلب أمي الأبيض”. لكن ريم زاد طغيانها، وصارت تحط راسها براس أمي، وتتأفف من وجودها بالبيت: “يا فهد، البيت صغير وما أخذ راحتي، وأمك كل شوي قاعدة بالصالة، ريحة أكلها تضايقني، وطلباتها ما تخلص!” كنت أسمع هذا الكلام، وبدل ما أوقفها عند حدها، للأسف، الطمع وحب رضا الزوجة الأعمى عمى عيوني. صرت أتهرب من أمي، وأقلل قعدتي معها.
والطامة الكبرى صارت يوم دخلت المطبخ ولقيت أمي تاكل لقمتها بصمت على الطاولة، وجت ريم معصبة وصبت حليب في المجلى وقالت بنبرة حادة: “شايف؟ أمك وسخت المطبخ، وأنا طفشت وأنا أنظف وراها! يا أنا يا أمك في هذا البيت يا فهد!” هنا، الشيطان لعب برأسي، وخلاني أرتكب أكبر خطيئة ممكن إنسان يسويها بحق أمه. بدل ما أطرد الزوجة المتكبرة، طردت الحنان والبركة! كلمت أمي بجفاء وقسوة، وقلت لها بصوت هادئ لكنه يقطع الحجر: “يمه… تدري لو تشوفين لك شقة صغيرة لحالك ترتاحين فيها، وتكون قريبة منا… يعني الوضع هنا صار صعب على ريم!”
أمي طالعت فيني نظرة… آه لو تدري وش كثر ذيك النظرة تحفر في قلبي لليوم! نظرة مكسورة، فيها استغراب، وألم، وحسرة ما تنقاس. ما قالت ولا كلمة، نزلت دمعة حارة على خدها المليان تجاعيد، وقامت بدون تردد، جمعت ملابسها البسيطة في كيس بلاستيك، وطلعت من الباب. حتى لقمة العيش اللي كانت تاكلها، حرمتها منها بيدي! الجزء الثاني: العزلة والعذاب طلعت أمي وسكنت في غرفة صغيرة مستأجرة بحي شعبي قديم، بعيد عن عيوني. كنت أعطيها مصروف قليل كل شهر، كأني أبري ذمتي قدام نفسي، لكن الحقيقة إني قطعتها ورا ظهري عشان عيون ريم اللي ما ينطال رضاها.
مرت الشهور، وريم زادت قسوة وغرور، وصار البيت كأنه سجن مظلم. صرت أحس بضيقة صدر ما تنصفد، وكأن البركة انمحت تماماً من حياتي. الشغل اللي كنت أبدع فيه صار يخسر، والمشاريع تطيح من يدي وحدة وراء وحدة، وفلوسي تتبخر في أشياء تافهة. ريم ما عادت تهمها إلا المظاهر، وكل يوم طلباتها تزيد، وأنا صرت متورط بديون تحطم الجبال. في يوم من الأيام، كنت راجع للبيت تعبان، راسي يوجعني من كثر الهموم. دخلت وشفت ريم مجمعة أغراضها وشنطها الفخمة على الباب.
“خير يا ريم، وين رايحة؟” سألتها بذهول. “أنا رايحة عند أهلي! خلاص، طفشت من حياتك والمصاريف اللي كل يوم تنقص، أنت إنسان فاشل وما عدت تنفعني بشيء!” قالتها بكل برود، وطلعت وتركتني وحدي في بيت موحش، ينطق بالندم. الجزء الثالث: صدمة الحقيقة جلست على الأرض، أطالع جدران البيت الفاضي. تذكرت كل شيء ضحيّت به عشانها؛ ضحيت بأعظم إنسانة في الوجود، بأمي التي جنت عليّ دعواتها بالخير طول عمري. أكلني الندم لدرجة إني صرت أتمنى الأرض تنشق وتبتلعني.
قمت مثل المجنون، ركبت سيارتي وطرت لحي أمي الشعبي. كنت ناوي أطيح على رجلينها أترضاها، وأبوس تراب قدميها، وأقول لها ترجع لبيتي حتى لو أعيش أنا بالشارع. وصلت عند الغرفة الصغيرة، ولقيت الباب مردود شوي. استغربت، ودخلت بدون إذن… هنا كانت الصدمة الكبرى اللي أوقفت قلبي عن النبض! لقيت أمي جالسة على سجادة الصلاة، ويدها مرفوعة للسماء تدعي وبحركة تبكي القلب. بس مو عليّ أنا! كانت تدعي لشخص غريب، وجمبها على الطاولة صورة قديمة جداً لأبوي الله يرحمه، ومعها ورقة صفراء قديمة.
قربت بخطوات مرتعشة، وقلت بصوت مخنوق: “يمه…” التفتت أمي إليّ، وبعيون دامعة لكن فيها هدوء غريب، أشرت لي وقالت بصوت ضعيف: “تعال يا ولدي… اقترب. كنت أتمنى أنك ما تجي اليوم، بس يمكن هذا وقتها عشان تعرف السر الكبير اللي خبيته عنك سنين طويلة.” جلست قدامها وأنا أبكي بحرقة: “سامحيني يمه… أنا ظالم، أنا بعت نفسي والشيطان… طردتك عشان مراتي، وهي هربت الحين وتركتني مفلس وندمان!” ابتسمت أمي ابتسامة حزينة وقالت: “ما سامحتك عشان مرتك هربت، أنا سامحتك من اللحظة اللي طلعت فيها من باب بيتك، لأني أمك وما يهون عليّ زعلتُك. بس اسمعني زين…”
أخرجت أمي الورقة الصفراء القديمة، وقالت: “أبوك الله يرحمه ما مات مديون وبس… أبوك الله يرحمه انصب عليه في أملاك العائلة كلها قبل ما يمـ,ـوت بأيام، واللي نصب عليه واختفى بكل حلالنا هو… أبو ريم!” فتحت عيوني على وسعها، وكأن صاعقة نزلت على رأسي. كملت أمي بصوت ثابت:
“ايوه يا ولدي، أبو ريم هو اللي سـ,ـرقنا، وهو اللي خلى البيت ينـ,ـهار علينا. وأنا كنت أعرف من أول يوم خطبت فيه ريم. كنت أعرف أهلها وعائلتهم زين، وسكتت… سكتت لأني شفتك تحبها، وقلت يمكن البنوتة مالها ذنب بفعال أبوها، ويمكن ربي يسخّرها لك وتكون نبتة صالحة. رضيت أتحمل القسوة والجفاء، ورضيت أطلع من بيتك، عشان ما أخرب عليك سعادتك وعشان ما أفتح عداوة قديمة تهدم بيتك بيدي.” الجزء الرابع: النهاية وانكشاف السر
كلمات أمي كانت مثل السـ,ـكاكين في قلبي. كم كنت أعمى؟ كم كنت ظالماً؟ أمي التي حرمتها من لقمة العيش، ومن بيتها، ومن راحتها، كانت تتحمل كل هذا العـ,ـذاب بصمت لمجرد أن تحميني وتطمن عليّ، بينما أنا طردتها لأجل بنت سـ,ـارق! في تلك اللحظة، تحطمت كل قشور الغرور والضعف في داخلي. حضنت أمي بكل ما أوتيت من قوة، وبكيت بكاء طفل فقد العالم كله ورجع يلقاه في حضن أمه: “استغفر الله العظيم… سامحيني يمه، سامحيني! والله لو أجلس تحت رجليك العمر كله ما أوفيك حقك!”
رفعت رأسها وقالت وهي تمسح دمعتي بحنان: “قوم يا فهد… اللي فات مـ,ـات، والحمد لله إن الله كشف لك الحقيقة على البارد، وخلصك من شر طليقتك وأهلها.” رجعت أمي معي في نفس اليوم، لا والله، بل أنا اللي مشيت خلفها وهي تتقدم وترفع رأسها بكل عزة وفخر. رجعت الملكة إلى عرشها الحقيقي في قلبي وبيتي. أما ريم وأبوها، فظهرت قضاياهم القديمة للعلن، ودارت الدائرة عليهم، وفلوس الناس المسلوبة رجعت لأصحابها بالقانون والعدل الإلهي.
تعلّمت درساً ما أنساه ما حييت؛ إن رضا الأم هو باب الجنة، ومن أغضب أمه لأجل رضا مخلوق، أذله الله وأفقره، ومن أرضاها، فتحت له أبواب السماوات والأرض بالبركة والرضا.