في حارة قديمة ومنسية، حيث الديون تكـ,ـسر الظهر والحوائط ضيقة على أصحابها، كنت عايش وجوايا جبل هموم ما يشيله جمل. مراتي مـ,ـاتت وسابت لي ولد وبنت، بس ابني الوحيد “يوسف” كان هو حتة من قلبي اللي أمشي عليها. يوسف ما كانش مجرد ابن وبس، هذا كان الأمل الوحيد في دنيا مظلمة، شاب هادي، بارّ فيني، وعيونه مليانة رضا وطيبة، وكأن الدنيا بكل قسـ,ـوتها ما قدرتش تطفئ النور اللي بقلبه.
لكن الحاجة مرة، والدين يذل الرجال. الديون فضلت تتراكم عليّ لين جابت آخري، وجه يوم هـ,ـددوني فيه الدائنون بالسجن لو ما سددت الفلوس في أيام معدودة. كنت باصص ليوسف وهو قاعد يذاكر على نور لمبة ضعيفة، وأحس روحي تطلع مني. في اللحظة السودا هذيك، الشيطان لعب براسي، أو بالأصح، الطمع والخوف عموا بصيرتي تماماً. قعدت أدور على مخرج شيطاني، وفي عالم تجارة الأعضـ,ـاء المظلم، لقيت الحل اللي بالبداية رعبني، بس بعدين نسيته قدام شبح السجن والبهدلة. ما كانش معي فلوس أبيعها، بس عرفت إني أملك أغلى شي بالوجود: كُليّة ابني يوسف!
بالبداية قاومت الفكرة بمرارة، بس شبح السجن خلى كل معاني الأبوة تتبخر. استدرجت يوسف بحجة إننا رايحين نسوي شوية فحوصات عشان نطمن على صحته، وبمساعدة سماسرة بلا ضمير، رتبنا لكل شي في مستشفى تعبان وبعيد عن العيون. ولما شكوكي زادت وخفت لحظة الجد، بررت اللي بسويه ليوسف وأنا أبكي وماسك بيديه: “يا ولدي، أبوك ضاع، والديون هتهد بيتنا، وما قدامنا حل غير هذا.. سلف يا يوسف.. سلف لأبوك اللي رباك!” يوسف ما صرخ بوجهي، ولا بكى، بس طالعني بنظرة خلت ملائكة السما ترتجف. نظرة دخلت جوه روحي ومو مفارقتها لحد ما أمـ,ـوت. قال بصوت هادي ومبحوح:
“إذا هذا اللي يرضيك يا أبوي.. ويستر عرضك، يبقى كليتي فداك.” العـ,ـملية الخبيثة تمت، وخرج يوسف ووجهه أصفر مثل المـ,ـوتى، وجـ,ـرح غائر بجنبه، بالوقت اللي قبضت فيه أنا ثمن الدـ,ـم واللحم؛ ملايين سددت فيها ديوني، وبدأت فيها تجارة جديدة قلبت حالي من الفقر للثراء الفاحش والقصور والسيارات. الجزء الثاني: صعود بلا بركة بفلوس كُليّة ابني، بنيت إمبراطوريتي الجديدة. نقلنا في حي راقي، لبست أغلى الثياب، وركبت أحدث السيارات. بس تفتكر تجارة الدـ,ـم ممكن يجي من وراها بركة؟
البركة انمحت تماماً من بيتي وحياتي. صحيح الفلوس كانت تجري بيدي، بس كنت كل ما طالعت بوجه يوسف الصبح، أشوف المـ,ـوت ماشي على رجلين. صحته تدهـ,ـورت بشكل يخيف، وبقى جسمه الهزيل دوبك متحمل اليوم. كنت أغرقه فلوس وأشتريه أغلى الهدايا وأقول لنفسي: “أنا عوضته، أنا ملكته الدنيا!”. بس يوسف كان يطنش كل شي بصوت ساكت، وكان يكتفي يقعد لحاله بغرفته، باصص للفراغ بنظرات باردة تجمّد الدـ,ـم بعروقي. أما بنتي الصغرى، فسابت البيت وهربت تعيش عند خالتها، رافضة تعيش في بيت أساسه مسـ,ـروق من لحم أخوها ودـ,ـمه. وبقيت أنا ويوسف بالقصر الكبير، لحالنا، والصمت يقطع بجدرانه كأنه مقبرة فخمة.
مع الأيام، لاحظت شي أغرب من الخيال؛ يوسف ما صار يطلع بره القصر نهائي، وبنى لنفسه استوديو سري بالدور الأرضي وقفل على نفسه، وبقى يقعد ليالي قدام شاشات كمبيوتر ضخمة وأوراق وأشياء ما أفهمها. ولما كنت أسأله وش يسوي، كان يرد ببرود يوجع: “أبني حياتي يا أبوي.. مثل ما أنت بنيت حياتك.” الجزء الثالث: السـ,ـقوط العظيم مرت خمس سنين على الليلة السودا هذيك. كنت وصلت لقمة النجاح المالي، وسيطرت على السوق، واسمي صار يتردد في كل مكان. بس في ليلة ممطرة وعاصفة، عرشي اهتز بطريقة ما كانت على البال.
الشركات بتاعتي بدأت تاخذ ضـ,ـربات مالية قاسية وسريعة. بساعات قليلة، حساباتي تجمدت، والشرطة اقتـ,ـحمت قصري الفخم، ومعاهم مباحث الأموال العامة ورجال الدائنين. كنت مثل المججنون أفر حوالين نفسي وأصرخ: “شسالفة؟! أنا مين؟! أنا فلان رجل الأعمال المعروف!” تقدم ضابط الشرطة، وحط قدامي ملف أسود ثقيل، وفتح أول صفحة عشان الصدمة تخرسني. كانت مستندات رسمية تثبت تورطي بقضايا غسيل أموال، ونصـ,ـب ضريبي، وصفقات مشبـ,ـوهة، ومخالفات عقوبتها الإعـ,ـدام أو المؤبد! والأدهى والأمر؟ إن كل المستندات هذيك كان عليها توقيعي الشخصي، ومختومة بختمي، ومعاها تسجيلات صوتية بصوتي تثبت إدانتي بكل كلمة!
طالعت الضابط بصوت متهدج: “مين.. مين اللي قدم الملف هذا؟! مين دمـ,ـرني؟!” الضابط ضحك ببرود وقال: “الشريك الأكبر بكل شركاتك، والمالك الحقيقي لكل أسهمك، واللي اشترى كل أملاكك بالورقة والقلم من شهور طويلة.. ابنك يوسف!” الجزء الرابع: السر المرعب والصدمة الكبرى وقعت على أرض القصر المظلم مثل الطير المذبـ,ـوح. استوعبت صدمة السـ,ـقوط المالي، بس صدمة اسم “يوسف” كانت أثقل من قدرة عقلي. بهذيك اللحظة، باب الاستوديو السري بالدور الأرضي فتح بالبطيء، وطلع يوسف. ما كان هذاك الشاب المكـ,ـسور المريض اللي سـ,ـرقت كليته زمان؛ كان واقف بعزم، ووجهه هادي بهدوء جليدي مرعب، وفي عيونه نظرة انتصار باردة ومظلمة.
زحفت ناحيته على أربع، وأنا أبكي وأصرخ بحرقة: “يوسف!.. يا ولدي.. شلون تهون عليك أبوك؟! شلون تدمـ,ـرني وتبيعني للعدالة وأنا اللي ربيتك ووصلتك للي أنت فيه؟!” قرب مني يوسف ببطء، ووطى لين صار وجهي بوجهه، وقال بصوت هامس خلا شعري يوقف من الرعب: “أنت ما ربيتني يا أبوي.. أنت بعتني لأول مرة على ترابيزة العمـ,ـليات عشان تسدد ديونك. فاكر إن الفلوس اللي رميتها لي بعدين كانت بتغسل عار اللي سويته فيني؟” رديت بصوت مخنوق: “بس.. بس أنا أبوك! شلون سويت فيني كذا؟! ومنين جابتك القوة والفلوس هذه كلها عشان تشتري شركتي وتدمرني؟!”
يوسف ضحك ضحكة خفيفة ومجمدة، وقال الجملة اللي توقفت قلبي عن النبض تماماً: “يوم العملية المشؤومة، ما كانت مجرد عملية سرقة كُليّة عادية مثل ما ظننت. الأطباء اللي تعاملت معهم ما هم إلا شبكة دولية أنا بنفسي اللي رتبت معهم وراقبتهم قبلها بشهور. كنت عارف بكل ديونك، وعارف إنك هتوصل في يوم وتبيعني عشان فلوسك.. فقررت أسبقك بخطوة.” عينيا اتسعت بذهول مرعب، وكمل يوسف بصوت كأنه حديد:
“إيه يا أبوي العزيز.. أنا ما كنت الولد الغافل. كنت مبرمج عبقري بالاقتصاد والتقنية، وكل شركاتك اللي خسرتها، وثروتك اللي جمعتها، والفلوس اللي استلفتها.. كله كان فخ كبير ومترتب بإتقان مني أنا! أنا اللي حطيتك بطريق الدائنين، وأنا اللي خليتك تفلس وبعدين تغنى، عشان أذوقك طعم الثراء الفاحش، وبعدين أجردك منه كله بيدي، وأرميك بنفس القاع المظلم اللي رميتني فيه يوم بعت حتة من جسمي بثمن بخس!” قعد يوسف قرفصاء قدامي، وحط يده على كتفي وقال بنبرة ميتة:
“أنت بعت كليتي عشان تشتري حريتك المزيفة.. وأنا بعتك عشان تسترد عقابك الحقيقي. قصة ثرائك كانت أطول كذبة عشتها، وقصة سقوطك هي أحلى هدية قدمتها لنفسي.” قبل ما أستوعب هول الكارثة، هجمت الشرطة وحاطت فيني، وكلبشوا يديني، وسحبوني بره القصر لعربية الترحيلات. كنت باصص من زجاج العربية الغامق على يوسف وهو واقف ببلكونة القصر يودعني، ووعيت وقتها إن أبشع جريمة يرتكبها إنسان هي إنه يكسر قلب ولده، لأن الندم لما يجي.. بيكون مثل السم اللي ما له دوا، وتكون النهاية صدمة ما تنسحق من التاريخ أبداً.