سيبت امي واختي يبهدلو مراتي في عزا أمها هذه القصة ليست مجرد حكاية عن فقدان زوجة أو اكتشاف سر قديم؛ إنها درس قاسي عن ثمن الجبن، وكيف يمكن للحظة صمت واحدة أن تهدِم سقف الحياة فوق رأس صاحبها. إليك القصة بنفس تفاصيلها وأحداثها، ولكن بسرد رائع يتأول كل لحظة ويغوص في أعماق المشاعر والتفاصيل بالعامية المصرية الأصيلة: الجزء الأول: البيت اللي أتسند على كتف واحدة
أنا كريم، عندي 37 سنة، ومجوز «هند» من ثماني سنين. ثماني سنين كنت فاكر فيهم إن الحياة مستقرة، وإن السكينة اللي في بيتنا دي حاجة مضمونة وموجودة للابد. بس الحقيقة، أنا كنت أعمى.. أعمى عن القوة اللي بتبني البيت دا، والأهم، عن طهارة ونقاء الست اللي جابتلي مراتي.
طول عمر هند، وأمها «حماتي فاطمة» هي محور حياتها. ما كانش حب عادي بين بنت وأمها؛ كان تقديس إنساني مبني على الامتنان. أمها كانت ست بسيطة أوي في نظر أي حد يشوفها من بعيد. اترمّلت وهي لسه في أول شبابها، من أكتر من عشرين سنة، ولقيت نفسها في الشارع لوحدها مع طفلة صغيرة، من غير سند ولا ضهر.
عاشت الست فاطمة في شقة صغيرة بالإيجار، حيطانها مقشرة بس ريحتها دايماً نضافة وراحة. ما سابتش باب حلال إلا وطرقته؛ اشتغلت خياطة ليالي طويلة على مكنة ص Singer قديمة وصوتها يهد الحيل، وربت هند من غسيل السجاد وتنظيف بيوت الناس، وباعت حتة الذهب الأخيرة اللي حيلتها—سلسلة صغيرة كانت بقية من ريحة جوزها—عشان تدفع مصاريف جامعة هند وتشتريلها الكتب.
كانت هند كل ما تقعد معايا وتقول كلمة عن أمها، عينيها تلمع وتدمع في نفس الوقت، وتقول جملتها الشهيرة: — «عارف يا كريم؟ أمي دي مش بس أمي.. أمي هي عيلتي، وهي ضهري، وهي الشرف اللي أنا ماشية بيه في الدنيا.. لو لفيت العالم كله مش هعرف أرد نقطة عرق واحدة نزلت من وشها عشان ترفع رأسي.»
ولما داهم المرض الست فاطمة فجأة.. السرطان نهش جسدها البسيط في شهور قليلة. دخلت المستشفى، وهند ما سابتش السرير بتاعها لحظة واحدة. كانت بتنام على كرسي خشب ناشف، تغسل رجليها، وتمسح على وشها، وتدعي ربنا. بس قدر ربنا كان أسرع.. ورحلت الست فاطمة، وسابت هند لوحدها في الدنيا، مكسورة الضهر والجناح. الجزء الثاني: ليلة الخذلان.. وسقوط القناع يوم العزاء، كان المفروض إني أكون السند الأول والوحيد لمراتي. المفروض أكون الراجل اللي تشد بيا أزرها في أكتر لحظة هي مكسورة فيها. بس أنا عملت العكس تماماً.. أنا خذلتها خذلان مش هسامح نفسي عليه طول ما فيّ نفس.
العزاء كان في سرادق صغير جنب البيت. من أول الدقايق، حضر أهلي: أمي وأختي. أمي من نوع الحماوات اللي دايماً شايفين إنهم أعلى من الناس، وبتحب تبص على الخلائق بنظرة تقييم ونقد. قعدت أمي في العزاء، وبدأت تتلفت حواليها، تتفرج على الناس البسيطة اللي جاية تعزي، وتهمس لأختي.
أمي بصت لأختي وقالت بصوت خفيض بس مسموع للمحيطين: — «ربنا يرحمها ويغفر لها.. كانت ست غلبانة أوي ومسكينة.» قربت واحدة من قرايبنا وسألتها: — «هي الست فاطمة الله يرحمها كانت بتشتغل إيه يا أم كريم؟» أمي اتنهدت تنهيدة فيها كمية لؤم ومغزى قذر، وقالت بصوت واطي: — «يلا ربنا يسترها.. كانت بتعمل أي حاجة وكل حاجة عشان تعيش وتأكل بنتها!» ساعتها أختي ضحكت ضحكة مكتومة، صفراء ومستفزة، وقالت بثعبانية: — «المهم يعني إنها لحقت تجوز بنتها وتسترها قبل ما تمشي وتظيط الدنيا!»
الكلام كان زي الصفاير في ودني. كنت قاعد قريب منهم، سامع كل كلمة وكل التلميحات والإهانات المبطنة اللي بتطال شرف ست ميتة بين يدين ربنا. كنت فاهم كويس أوي إنهم بيقللوا منها ومن مراتي.. بس عملت إيه؟ ولا حاجة. لزمت الصمت. وبعد شوية، قعدت واحدة من الجيران تكلم هند وبتسألها بحسن نية عن أيام أمها الأخيرة. وقبل ما هند تنطق بحرف وتفتح بؤها، أختي اتدخلت بقسوة وبنبرة استعلاء وقالت بصوت عالي كفاية إن النص الموجود يسمعه: — «خلاص بقى يا جماعة.. ربنا سترها في الدنيا ومشت! اذكروا محاسن موتاكم وكفاية كلام بقى!»
في اللحظة دي، شفت وش هند بيتغير. دمها هرب من وشها، والدموع اتجمعت في عينيها زي الجمر. التفتت لي.. نظرت لي نظرة استنجاد، نظرة واحدة كفيلة تحرك صخرة. كانت منتظرة مني أقف، أقول لأختي «اسكتي»، أو أرد اعتبار الست اللي لسه مدفونة تحت التراب من كام ساعة. كانت عايزه كلمة واحدة ترد عنها الخبث دا.
عارفين أنا عملت إيه؟ شحت ببصري عنها! بصيت في الأرض وغيّرت نظرتي، وسكتّ! قلت لنفسي بالجبن والخوف: «بلاش مشاكل في العزاء.. المشاكل مش وقتها.. وأمي وأختي كبار وما ينفعش أرد عليهم قدام الناس». بس الحقيقة المرة اللي واجهت بيها نفسي بعدها؟ أنا كنت جبان.. جبان بيضحك على نفسه بالدبلوماسية المزيفة. الجزء الثالث: الصمت القاتل انتهى العزاء، ورجعنا البيت. الطريق كله في العربية، هند ما نطقتش بكلمة واحدة. ولا دمعة نزلت من عينها، ولا صرخت، ولا اتخانقت معايا، ولا حتى عاتبتني. أول ما دخلنا شقتنا، دخلت أوضة النوم، وقفلت الباب بالراحة أوي.. قفلة هادية أكتر من اللزوم.
من الليلة دي، هند بقت حد تاني خالص. الضحكة اللي كانت بتنور البيت اختفت. الكلام بقى على قد السؤال والجواب بصوت جاف وزي الجليد. لما كنت بمد إيدي أمسك إيدها، كانت بتسحب إيدها بهدوء من غير ما تبصلي. نظرتها لي أصبحت باردة، فارغة، وفيها كمية احتقار غير معلنة كانت بتاكل في صدري كل يوم. مر أسبوع على الحالة دي، وأنا عايش في جحيم الصمت دا.. لحد ما جت الصدمة اللي هزت أرواحنا. الجزء الرابع: السر المخبأ في الظرف الأسود
اتصل محامي بـ «هند» وطلب حضورها فوراً وبشكل عاجل لمكتبه في وسط البلد. أصرت هند تروح لوحدها، بس أنا أصرّيت أروح معاها، كنت فاكر إن الموضوع أوراق روتينية: شقة الإيجار، أو بقية المصاريف، أو معاش بسيط. دخلنا المكتب.. مكتب قديم في وسط البلد، حيطانه متغشية بالخشب والكتب القانونية. قعدنا قدام المحامي، راجل كبير في السن، شعره أبيض، وفي عينيه وقار وهيبة. بص لـ هند برحمة وقال: — «البقاء لله يا مدام هند.. الست فاطمة -رحمها الله- كانت ست مش هتيجي زيها تاني. هي وصتني إني أسلّمك الملف دا بعد وفاتها مباشرة، وأنفذ وصيتها بالحرف.»
المحامي فتح درج مكتبه وأخرج ملف ضخم جداً. وبدأ يخرج منه وثائق، وأوراق أصلية، وصور قديمة أكل عليها الزمن. وفي وسط الصور.. كان في صورة خلت الدم يتجمد في عروقي، وعيني تتسع من الذهول. الصورة كانت للست فاطمة وهي في المظاهر الأولى من شبابها، لابسة زي تمريض رسمي ناصع البياض، واقفة بثبات وشجاعة جنب مجموعة من كبار الأطباء والمسؤولين، وحاطة على صدرها وسام!
أنا اتسمرت في مكاني. وقبل ما أنطق، المحامي بص للصورة وابتسم بحزن وقال: — «والدتك يا مدام هند.. كانت من أوائل الممرضات المتطوعات في حادثة قطار الصعيد الشهيرة سنة 1998.. دخلت وسط النار والنار بتأكل العربات عشان تنقذ الجرحى. أنقذت العشرات يومها بشجاعة نادرة، وتاخدت عنها تقارير في الصحف الرسمية ووسام شجاعة من وزارة الصحة.» هند بصت للمحامي بصدمة وذهول، وصوتها بيترعش: — «ماما؟!! أمي أنا؟! ماما عمرها ما قالتلي حاجة زي دي.. ولا مرة اتكلمت عن الأوسمة ولا التمريض!»
المحامي اتنهد بأسى وقال: — «في حاجات كتير أوي ما قالتهاش يا بنتي.. لأن أمك كانت طول عمرها بتخبي الحقيقة وبتحرق في نفسها عشان تحميكي أنتِ بالذات.»
