سكت المحامي لثوانٍ، وعمّ الصمت في الغرفة، صمت تقيل يخنق. وبعدين أخرج ظرف أسود مغلق بالجمع الأحمر، ونظر لـ هند بوقار وقال: — «الحقيقة اللي جوه الظرف دا.. هي السبب في كل الفقر والتعب اللي عاشته أمك طول العشرين سنة اللي فاتوا.» في اللحظة دي، حسيت برعب حقيقي بينزل على قلبي. أدركت إننا كنا عايشين جنب جبل من العظمة، وإحنا مش شايفين غير التراب اللي تحت رجليه. الجزء الخامس: حكاية العظمة والتضحية المحامي فتح الظرف وأخرج منه عقود قديمة، وشهادة تقدير رسمية، ونسخة من حكم قضائي صادر من المحكمة الاقتصادية!
بص لـ هند وقال برفق: — «أمك يا هند، ما كانتش مجرد ست غلبانة بتنظف البيوت وتخيط الهدوم عشان تلاقي اللقمة.. أمك كانت بطلة ضحية لتضحية نادرة جداً. أبوكي الله يرحمه ما ماتش وسابها مفلسة زي ما الناس فاكرة.. أبوكي كان صاحب شركة ومقاولات، وله شريك أكله وسرق كل ثروته بالاحتيال والتزوير فور وفاته، واستغل إن أمك ست بسيطة وما تفهمش في ألاعيب القانون.»
دموع هند بدأت تنزل بغزارة من غير صوت، والمحامي كمل كلامه وأنا الذهول والذهول بياكلوا فيّ: — «أمك خاضت حرب قضائية طاحنة وهي معندهاش جنيه واحد. ولأن الشريك دا كان راجل واصل وذو نفوذ ضخم، هددها صراحة إقالها: (لو ما تنازلتيش عن القضايا وعن حق بنتك.. بنتك الصغيرة دي مش هتشوف النور تاني). الست فاطمة خافت عليكي.. خافت إن إيدك تلمسها أي حاجة وحشة. فقررت تتنازل عن كل القضايا، وتسيب العز والثروة، وتعيش في الفقر والشقاء، وتشتغل في البيوت وفي الخياطة بشرف وكبرياء..
كل دا عشان تحميكي من بطشهم، وعشان تكبري من غير ما تحسي بالخوف، ومن غير ما تفقدي أمانك.»
سكت المحامي، ومسك الورقة الأخيرة—ورقة رسمية حديثة الصنع—وحطها قدام هند، وقال بصوت هز أركان المكتب: — «بس أمك ما نسيتش حقك.. كانت شغالـة في السر مع مكتبي من 15 سنة. والأسبوع اللي فات بس، وقبل وفاتها بأيام قليلة، صدر الحكم النهائي والبات لصالحها بعد إعادة فتح القضية بظهور أدلة جديدة! الحكم بيقضي باسترداد تعويض ضخم جداً، وقطعة أرض بملايين، وحساب بنكي مغلق بجميع مستحقات أبيكِ المنهوبة.. الست فاطمة ما تركتكيش فقيرة يا هند.. تركت لكِ ثروة، والأهم، تركت لكِ شرف وتاريخ ينحني له أعتى الرجال.. تركت لكِ شرف ما اتفاخرتش بيه يوم واحد لأنها كانت عايزة حاجة واحدة بس:
إنك تعيشي مستورة وأميـنة.» الجزء السادس: الخنجر في القلوب.. والنهاية أنا اتجمدت في مكاني. كل كلمة كان بيقولها المحامي كانت بتنزل على قلبي زي السيوف المسمومة. المرأة اللي أمي وصفتا في العزاء بـ «كانت بتعمل أي حاجة عشان تعيش» بأسلوب التلميح القذر والرخيص.. كانت بتصنع المعجزات بشرف وأمانة وطهارة ما تعرفش أمي ولا أختي عنها أي حاجة! المرأة اللي أختي سخرت منها وقالت «ربنا سترها ومشت».. كانت قديسة ضحت بعزها وصحتها وكرامتها عشان تصون بنتها وتنذق جرحى الوطن!
التفتّ لـ هند.. ما كانتش بتبكي بصوت. كانت دموعها بتنزل صامتة، مريعة، وهي ماسكة صور أمها وأوراق ملكية شرفها وتضمهما لصدرها بلهفة وكأنها بتضم أمها. بصتلي هند.. وآه من النظرة دي. ما كانتش نظرة عتاب، ولا حتى نظرة غضب.. كانت نظرة «احتقار تام». نظرة بتقول إن الشخص اللي قدامها دا بقى مجرد حشرة صغيرة لا قيمة لها. قالتلي بصوت هادي أوي، بس أبرد من الجليد: — «أمي عاشت بطلة.. وماتت وهي رافعة رأسها فوق السماء. وأنا للأسف.. اتجوزت راجل ما قدرش يقف كلمة حق واحدة في وش أهله عشان يدافع عن طهرها.»
حاولت أتكلم، إديا كانت بترتعش، لساني اتعقد: — «هند.. أرجوكي.. أنا نادم.. أنا مستعد آخد أمي وأختي ونروح لحد بيتك ونبوس إيديكي ورجليكي ونعتذر قدام الدنيا كلها..» رفعت إيدها وبصتلي بمنتهى الشموخ وقاطعتني: — «الندم بعد الخذلان ملوش أي قيمة يا كريم.. أنت سكتّ لما كان الكلام فرض عليك، وسكوتك كان موافقة على إهانتها. اللي يفرّط في كرامة ميّت مالوش أمان مع حي.» في نفس اليوم.. هند دخلت البيت، جمعت كل هدومها وحاجاتها، وأخدت أوراق أمها وصورها وغادرت الشقة. ما طلبتش طلاق بفضائح ولا بمشاكل، طلبت الانفصال بكرامة وهدوء يثبت إنها فعلاً بنت «فاطمة».
طلقتها وأنا مكسور.. ورجعت لأمي وأختي. رميت الأوراق والحكام والصور قدامهم على الترابيزة، وحكيتلهم حقيقة «الست الغلبانة اللي كانت بتعمل أي حاجة».. شفت الشحوب والخجل والكسوف بياكل وشوشهم، شفتهم مش عارفين يبصوا في وشي ولا في وش بعض.. بس اعتذار العالم كله، وخجل أمي، وندم أختي، ما كانش هيقدر يرجعلي لحظة واحدة من الزمان.. ولا يمسح لحظة الجبن اللي وقفت فيها ساكت.
اليوم.. أنا قاعد في شقتي الفاضية، الحيطان حاسة ببرودة الذنب اللي بيخنقني. بقيت أدرك متأخر أوي إن الصمت مش دايماً حكمت، الصمت ساعات بيكون أحقر أنواع الجبن. خسرت الست الوحيدة اللي أحبتني ونضفت حياتي.. لأني ببساطة ما كنتش راجل في اللحظة اللي كانت محتاجاني فيها أكتر من أي وقت مضى.