روايات

“هي نفس البنت اللي خب.ط فيها يوم خطوبة ابن عمه

“هي نفس البنت اللي خب.ط فيها يوم خطوبة ابن عمه، كانت خارجة من القاعة بتجري وبتعيط ودموعها مالية وشها.” اتفاجئ إنه شافها هنا تاني، والغريب إن نفس نظرة الحزن لسه ساكنة في عينيها زي ما هي. قعد على ترابيزة قصادها، وطول القعدة عينه عليها، وهي ولا حاسة بيه ولا واخدة بالها إن في حد مركز معاها أصلا. ومن اليوم ده، الكافيه ده بقى الروتين اليومي بتاع ياسين. كل يوم ييجي، يطلب نفس القهوة، ويقعد في نفس المكان اللي يقدر يشوفها منه من بعيد. مكنش بيكلمها، كان بيكتفي إنه يشوفها وبس.

ساعات يشوفها ماسكة كتاب وغرقانة فيه، وساعات قاعدة سرحانة وباصة من الشباك بالساعات، وساعات فاتحة اللابتوب بتحاول تشتغل ومش مركزة. كان في حاجة فيها بتشده ليها، حزنها الهادي اللي مالي ملامحها، وعينيها اللي لسه شايلة وجع كبير. لحد ما في يوم، حس إن مفيش فايدة يفضل يبص عليها من بعيد كده وخلاص. لازم يتشجع ويكلمها، لازم يعرف هي مين، وليه كل الحزن ده ساكن جواها. جمع كل شجاعته وقام من مكانه، وراح ناحية الترابيزة بتاعة هاجر. قلبه كان عمال يدق جامد ومش عارف هيقول ايه بالظبط. وقف قدامها وقال بتوتر: “مساء الخير.. أنا آسف إني بضايقك بس…” مكملش جملته.

هاجر رفعت راسها وبصتله بصة غريبة، بصة كلها حزن وسرحان، كأنها مش شايفاه أصلا، كأنها بتبص من ورا ضباب. ومرة واحدة قامت، لمت حاجتها بسرعة، وحطت الشنطة على كتفها، وسابته ومشيت من غير ولا كلمة. ياسين حاول ينادي عليها، بس هي كانت خلاص خرجت من باب الكافيه. هاجر كانت ماشية في الشارع ودماغها في حتة تانية خالص. سرحانة في اللي فات، وعينيها مزغللة بالدموع. وهي بتعدي الشارع مش واخدة بالها.. وفجأة! صوت فرامل عالي يقطع السكوت، وصريخ كاوتشات على الأسفلت! عربية خب.طتها ووقعت على الأرض في ساعتها. ياسين كان لسه واقف على باب الكافيه وشاف كل حاجة بتحصل قدام عينه.

قلبه اتنفض من مكانه. جري عليها زي المجنون، والناس اتلمت، لقاها مرمية على الأرض ومغمي عليها ومفيهاش نفس. من غير ما يفكر ثانية، شالها بسرعة البرق وحطها في عربيته اللي كانت مركونة قدام الكافيه، وطار بيها على أقرب مستشفى. في المستشفى الوضع كان مقلق، والدكتور قال إنها محتاجة نقل دم فورا. ياسين متأخرش لحظة واحدة، ودخل اتبرع لها بالدم بنفسه. وفضل قاعد مستني بره الأوضة لحد ما الدكتور خرج وطمنه إنها عدت مرحلة الخطر وبقت كويسة. — بعد يومين بالظبط، هاجر فتحت عينيها بتعب. لقت كل وشوش عيلتها حواليها، أمها وأبوها واخواتها، كلهم بيبصولها بقلق وفرحة إنها أخيرا فاقت.

وبدأوا يتكلموا مع بعض بصوت واطي وهما فرحانين: “حمدالله على سلامتك يا حبيبتي، ربنا نجاكي..” “شاب ابن حلال اسمه ياسين هو اللي جابك المستشفى واتبرع لك بالدم..” “ياسين هو اللي أنقذك، ربنا يستره دنيا وآخرة..” هاجر كانت سامعة الكلام ومش مستوعبة، دماغها لسه تقيلة. قالت بصوت ضعيف: “ياسين؟ مين ياسين ده؟” كانت عايزة تعرف مين اللي أنقذها. لفت عينيها حواليها في الأوضة، لقت بوكيه ورد أحمر كبير محطوط جنب سريرها. باباها خد باله إنها بتبص عليه فقالها: “ده ياسين اللي جابه، وكان كل شوية ييجي يطمن عليكي.” قلب هاجر دق بسرعة غصب عنها. حست إنها عايزة تشوفه وتشكره بنفسها.

سألت باباها بلهفة: “هو فين دلوقتي؟ عايزة أشوفه واشكره..” باباها رد عليها وقال: “قالنا إنه لازم يمشي عنده مشوار ضروري، بس قال هيجي يطمن عليكي تاني.” بس الغريب إن ياسين بعدها مظهرش تاني لا في المستشفى ولا حتى جه عندهم البيت. بس اللي كان بيحصل كل يوم ومن غير ولا يوم يفوت، إن كان بيوصل لها بوكيه ورد جديد، ومعاه كارت صغير مكتوب عليه إهداء بخط إيد ياسين. الوضع ده فضل مستمر شهر كامل. هاجر كانت هتتجنن من التفكير! مين ياسين ده؟ شكله ايه؟ وليه بيبعت ورد كل يوم ومش بيظهر؟ وكل ما تسأل باباها، يرد عليها نفس الرد:

“ياسين بيكلمني كل يوم في التليفون عشان يطمن عليكي، هو بس مشغول شوية..” ومن هنا، هاجر حست إنها بدأت تتعلق بالشخص الغامض ده، اللي أنقذ حياتها ومبطلش يبعت لها ورد، اللي بقى جزء من يومها من غير ما تشوفه ولا مرة…. أحداث الرواية دخلت في منطقة مشوقة جداً! الحبكة المليانة غموض ولغفة الشغف دي تتكمل بطريقة تقطع النفَس.. تفضل الكملة المشوقة:

مرت أيام جديدة، وهاجر كل يوم تصحي الصبح عينيها تروح فوراً على الترابيزة اللي جنب السرير.. تتأكد إن بوكيه الورد الجديد وصل، وتمسك الكارت تقراه للمرة الألف، وكأنها بتحاول تقرأ أفكار ياسين من بين السطور. التعلق بيه بقى زي الإدمان، مش قادرة تفهم: ليه ينقذ حياتها، ويتبرع لها بدمه، ويكلف نفسه ورد كل يوم، ويختفي كأنه طيف؟ وفي يوم.. قررت هاجر إنها مش هتفضل قاعدة تتفرج على السر ده.

استغلت إن باباها ساب تليفونه على السفيرة ودخل البلكونة، وتسحبت بسرعة ورينت على آخر رقم بيكلمه باسم “ياسين”. قلبها كان بيخب.ط في ضلوعها بصوت عالي جداً.. الرنة الأولى.. الثانية.. وفي الرنة الثالثة فتح الخط. جاءها صوت دافي، بس مليان تعب وشجن: – “أهلاً يا عمي، هاجر عاملة إيه النهاردا؟ طمني عليها؟” صوت هاجر اتجمد في حلقها، دموعها اتجمعت في عينيها وقالت بنبرة مرعوبة ومتلخب.طة: – “أنا كويسة.. بس.. أنت مين؟ وليه بتعمل كل ده؟ أنت فين يا ياسين؟”

السكوت خيّم على الناحية الثانية تماماً.. كان سكوت تقيل، مسموع فيه بس صوت أنفاسه المتسارعة، وكأنه مش مصدق إنها هي اللي بتكلمه. ياسين اتنهد بوجع وقال بصوت واطي جداً: – “أنا آسف يا هاجر.. كان نفسي أكون جنبك، بس وجودي في حياتك دلوقتي هيأذيكي.. الورد ده كل اللي أقدر أقدمهولك عشان أطمنك إنك مش لوحدك.” قبل ما تلاحق تسأله يعني إيه “هيأذيكي”، خط التليفون اتقفل!

جنون هاجر زاد.. اتذكرت الكافيه اللي كانت بتروحه، وافتكرت إن باباه قال إن الشاب ده هو اللي شالها من قدام الكافيه. راحت هناك على أمل تلاقي أي طرف خيط. أول ما دخلت، الجرسون اتعرف عليها فوراً وابتسم: – “حمدالله على سلامتك يا أنسة! والله أستاذ ياسين كان هيتجنن عليكي اليوم ده.” هاجر قربت منه بسرعة: “أنت تعرفه؟ تعرف هو فين؟ أو شغال إيه؟”

الجرسون ملامحه تغيرت وسكت بتردد، وبعد محاولات وإلحاح منها، قرب منها وقال بصوت خافت: – “أنا معرفش عن حياته كتير يا هانم.. بس أستاذ ياسين ما جاش هنا تاني من يوم الحادثة، غير مرة واحدة بس بعد الحادثة بيومين.. جه خد شنطة أوراق كانت في عربيتك، وركب مع ناس شكلهم غريب، وكان باين عليه الخوف.. وقبل ما يمشي ساب معايا أمانة قال لي لو جيتي في يوم أديهالك.” الجرسون طلع من تحت الكاونتر ظرف أسود مقفول بختم شمع!

هاجر أخدت الظرف وإيديها بتترعش. خرجت جري على عربيتها، فتحت الظرف بلهفة.. لقت جواه كارت صغير وصورة قديمة! الصورة كانت لـ ياسين مع شاب ثاني، واقفين في نفس قاعة الأفراح.. يوم خطوبة ابن عمها! الشاب اللي مع ياسين في الصورة كان هو خطيب هاجر السابق.. اللي سابها وكسر قلبها وجرحها في نفس اليوم اللي كانت خارجة فيه بتعيط وخب.طت في ياسين! وتحت الصورة كان مكتوب بخط ياسين:

“يوم ما خب.طت فيكي، كنت جاي أمنع الخيانة دي.. بس وصلت متأخر. ومن يومها وأنا بقيت أراقبك مش بس عشان حزنت للي حصلك.. أنا اكتشفت إن السر اللي بسببه خطيبك سابك، كان بسببي أنا وبسبب عيلتي من غير ما أقصد.. أنا اللي اتبرعتلك بالدم عشان أصلح جزء من ذنب مش ذنبي، والورد ده اعتذار يومي.. بس خروجي من حياتك هو الحماية الوحيدة ليكي من الناس اللي مطارديني بسبب نفس السر ده.” في نفس اللحظة اللي هاجر خلصت فيها قراءة السطر الأخير.. تليفونها رن برقم غريب!

فتحت الخط، وجاءها صوت غريب، حاد وبارد: – “أظن قريتي الرسالة يا هاجر.. لو عايزة تشوفيه عايش تاني، قدامك نص ساعة تجي العنوان اللي هبعتهولك.. ولو بلغتي أي حد، ياسين مش هيطلع من هنا حاي!” سكت الصوت، ووصلتها رسالة فيها “عنوان لمخزن مهجور على طريق السخنة”! هاجر عينيها اتوسعت من الصدمة، عقلها عاجز عن التفكير.. الراجل اللي أنقذ حياتها وأعاد لها الأمل بوردة كل يوم، دلوقتي حياته في إيدها هي!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى