روايات

بعد وفا.ة أختي، عشتُ مع ابنها ياسين وربّيته كأنه ابني

بعد وفاة أختي، عشتُ مع ابنها ياسين وربّيته كأنه ابني. وبعد عشر سنوات، وبينما كنت أبحث في غرفته، وجدت حصالة مليئة بالمال، وفوقها ورقة كتب عليها: «ثمن الطعام الذي أكلته عند خالي.» عندها أدركت أن هناك سرًا لم أكن أعرفه.
توفيت أختي، وكان ابنها ياسين يبلغ من العمر ثماني سنوات.
وكان والده قد توفي قبلها.
فأخذته ليعيش معي.
قلت له منذ أول يوم:
— البيت بيتك، وأنا أبوك قبل أن أكون خالك.
كان طفلًا هادئًا.
هادئًا أكثر من اللازم.
لم يطلب يومًا لعبة.
ولا ملابس.
ولا حتى مصروفًا.

وكان إذا طلب أولادي طعامًا من الخارج، يقول:
— أنا لست جائعًا.
كنت أظن أنه يشعر بالخجل.
حتى كبر.
وأصبح عمره ثمانية عشر عامًا.
وفي يوم كنت أبحث عن بعض الأوراق في غرفته.
فوجدت حصالة كبيرة تحت السر.ير.
فتحتها.
كانت مليئة بالمال.
وفوقها ورقة مكتوب عليها:
«ثمن الطعام الذي أكلته عند خالي.»
انقبض قلبي.
انتظرته حتى عاد.
وضعت الحصالة أمامه.
— ما هذه؟
تغير وجهه.
— إنها شيء يخصني.
— لماذا تدخر ثمن طعامك؟
صمت.
قلت:

— يا ياسين… من قال لك إن عليك أن تدفع ثمن طعامك في بيتي؟
نظر نحو المطبخ.
كانت زوجتي واقفة.
قلت:
— انظر إليّ أنا.
بدأ يبكي.
— لا أحد.
صرخت:
— لا تكذب!
دخلت زوجتي.
— لماذا تصرخ في وجهه؟
رفعت الورقة.
— هل تعرفين شيئًا عن هذه؟
قالت:
— وما علاقتي أنا؟
لكن ياسين قال:
— انتهى الأمر يا خالي.
— ماذا انتهى؟
قال:
— سأرحل.
أمسكت بذراعه.
— لن تتحرك قبل أن أفهم.
صمت قليلًا.

ثم قال:
— كل يوم كنت آخذ فيه مصروفًا، كانت خالتي تكتب ثمن طعامي في دفتر.
نظرت إلى زوجتي.
— ماذا؟!
قالت بسرعة:
— كنت أعلمه تحمل المسؤولية.
أكمل ياسين:
— الإفطار بعشرة جنيهات.
والغداء بثلاثين.
والكهرباء.
والماء.
وحتى الدواء عندما كنت أمرض.
بدأت يدي ترتجف.
— منذ متى؟
قال:
— منذ أول يوم جئت فيه إلى هنا.
دخل غرفته.
ثم عاد بدفتر قديم.
فتحته.
عشر سنوات.
كل شيء محسوب.
وفي آخر صفحة مكتوب:
«إجمالي دين ياسين:

186 ألف جنيه.»
نظرت إلى زوجتي.
— فعلتِ هذا بطفل يتيم؟
قالت:
— أنا التي كنت أنفق عليه!
قلت:
— من مالي أنا!
وفجأة قال ياسين:
— لا يا خالي.
نظرت إليه.
— ماذا تعني؟
أخرج ظرفًا من حقيبته.
— لم أكن أريد أن أخبرك.
فتحته.
كان بداخله كشوف حساب.
وفي كل شهر كان يُحوَّل مبلغ كبير إلى زوجتي.
قلت:
— من أين هذه الأموال؟
قال:
— من ميراث أمي.
أسرعت زوجتي نحو الظرف.
لكنني أمسكته قبلها.
راجعت الأرقام.

أكثر من مليون جنيه.
قلت:
— كنتِ تأخذين أمواله… وتحاسبينه على الطعام أيضًا؟
صرخت:
— أنت لا تفهم شيئًا!
أخرج ياسين ورقة أخيرة.
— لهذا كنت أوفر المال.
قلت:
— حتى تسدد الدين؟
هز رأسه.
— لا.
فتح الحصالة.
وأخرج من قاعها مفتاحًا.
— كنت أوفر المال حتى إذا بلغت الثامنة عشرة أستطيع الهرب قبل أن تعلم خالتي أنني وجدت الخزنة.
اصفر وجه زوجتي.
قلت:
— أي خزنة؟
نظر إليّ ياسين وقال:
— الخزنة التي تحت سريرها.
— وماذا فيها؟

أدخل يده في حقيبته.
وأخرج شهادة وفاة.
باسم أختي.
لكن تاريخ الوفاة لم يكن منذ عشر سنوات.
بل منذ ثلاثة أشهر فقط.
نظرت إليه وأنا عاجز عن الكلام.
قال ياسين:
— يا خالي… أمي لم تكن متوفاة كما أخبرونا.
ثم نظر إلى زوجتي.
— وخالتي تعرف أين كانت تعيش طوال تلك السنوات.
وقبل أن أسألها، رن جرس الباب.
فتحت الباب.
فوجدت رجلًا يحمل ملفًا وقال:
— هل حضرتك خال ياسين؟
قلت:
— نعم.
نظر إلى زوجتي وقال:
— جئنا لتنفيذ وصية والدته.
سألته:

— أي وصية؟
فتح الملف وقال:
— الوصية التي كتبتها قبل وفاتها بثلاثة أيام… وذكرت فيها بالاسم من حبسها عشر سنوات ومنع ابنها من معرفة أنها كانت لا تزال على قيد الحياة.
التفتُّ نحو زوجتي.
لكن ياسين أمسك بيدي وقال:
— انتظر يا خالي… قبل أن تسمع الوصية، يجب أن تعرف أن اسمك أنت أيضًا مذكور فيها.
لماذا ورد اسم الخال في الوصية؟ وما الحقيقة التي أخفاها الجميع طوال عشر سنوات؟ هذا ما ستكشفه أحداث الجزء القادم.
حكايات بسمة

تجمّدت في مكاني، وشعرت أن الأرض تدور بي. التفتُّ إلى ياسين، كانت نظراته تفيض بآلام عشر سنوات من الصمت، ثم أعدتُ نظري إلى الرجل الذي يقف على الباب ومعه ضابط شرطة كان ينتظر في الخفاء. سألت بصوت مرتعش:
— اسمي أنا؟ كيف يخفى عليّ كل هذا؟

أخرج الرجل ورقة خضراء مختومة بختم رسمي، ونظر إليّ بعينين تتفحصان ملامحي وقال:
— نعم يا أستاذ.. أختك المرحومة كتبت في وصيتها وتوثيقها للحادث أن زوجتك قامت بحبسها في بيت قديم مملوك لأسرتكم في أطراف القرية، مستغلة مرضها الشديد وغيابك المستمر في عملك بالخارج خلال السنة الأولى من الاختفاء، وأوهمت الجميع—وبالأخص أنت—أنها توفيت في حادث سير أثناء سفرك. انفجرت زوجتي بالبكاء والصراخ:
— كذب! كلها افتراءات! هذه المرأة كانت مريضة نفسياً وكانت تشكل خطراً على ابنها!

لكن ياسين تقدم خطوات، وأخرج من حقيبته شريط تسجيل صوتي قديم، ووضعه على الطاولة.
قال بصلابة لم أعهدها في طفل عاش عمره خائفاً:
— هذا ليس كذباً يا خالي. اسمك مذكور في الوصية ليس كمتهم… بل كـ “مجني عليه”. أُمي كتبت أنك كُنت الضحية الثانية لجشع هذه المرأة. شغّل ياسين الشريط، فخرج منه صوت أختي… صوتها الذي لم أسمعه منذ عقد من الزمن، كانت نبرتها ضعيفة ومجهدة وهي تقول:

“أخي الحبيب… أعلم أنك لا تعلم شيئاً. زوجتك خدعتك وأوهمتك بوفاتي لتستولي على نصيبي في أموال الشركة والميراث، ولتضع يدها على الوكالة المادية لبني ياسين. لقد هددتني بإنهاء حياة ابني إن أفشيت السر، وحبستني بعيداً عن العالم. إن كنت تسمع هذا التسجيل، فأنا أسامحك لأنك طيّب القلب وخُدعت، ولكني أمانة في رقبتك أن تأخذ حق طفلي.” سقطتُ على الركبتين من هول الصدمة.
التفتُّ إلى زوجتي التي تحوّل وجهها إلى السواد، ولم تستطع أن تنبس بكلمة واحدة أمام الأدلة والشهود.

في تلك الليلة، اقتادت الشرطة زوجتي للتحقيق بتهم الخطف، والتزوير، والاستيلاء على أموال يتيم. أمّا أنا، فجلستُ على الأرض أجهش بالبكاء، وأنا أنظر إلى الدفتر والحصالة. جاء ياسين، وجلس بجواري، وحطّ يده على كتفي بنفس الحنان الذي كان أمه تمنحه لي قديماً.
قال بصوت هادئ:
— لا تبكِ يا خالي.. كنتُ أجمع المال لأهرب، لكنني الآن أدركت أنك لم تكن شريكاً في جريمتها، بل كنت أباً حنوناً يحميني دون أن يدري من عقرب عاشت في بيتنا.

رفعت رأسي ونظرت إليه، وأخذته في أحضاني بكاءً وندماً على السنوات التي غفلت فيها. وفي اليوم التالي، بدأتُ في إجراءات إعادة كل جنيه سُرق من ميراث ياسين، وبعتُ كل ما أملك لأسدد له دَين السنوات الماضية، ورغم رفضه الشديد، أصررتُ أن أضع كل شيء باسمه. رحلت زوجتي إلى السجن لتنال عقابها، وبقيتُ أنا وياسين وأولادي في بيت طَهُر أخيراً من الغل والجشع. وتعلمتُ أن الصمت الشديد في عيون الأطفال ليس دائماً خجلاً… بل قد يكون وجعاً يداري خلفه جبالاً من الأسرار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى