تلات بنات توأم وقفوا قدام راجل مطلق وقالوله: “مامتنا عندها نفس الوشم اللي على إيدك.”… في اللحظة دي اتجمد مكانه، لأن الوشم ده كان سر دفنه من 8 سنين، لكنه رجع يطارده من جديد.
“مامتنا عندها نفس الوشم اللي على إيدك.”
الجملة خبطتني كأن حد سكب عليا مية ساقعة.
كنت قاعد على دكة في حديقة الأزهر، بشرب قهوة بعد يوم شغل طويل، لما لقيت تلات بنات توأم واقفين قدامي، وكلهم باصين على الوشم اللي على دراعي.
كانوا عندهم حوالي سبع سنين.
لابسين بالطوهات بيج شبه بعض، وربطات شعر متطابقة، وكل واحدة فيهم نسخة من التانية.
لكن اللي شدني ماكانش شكلهم…
كان نظرة عيونهم.
هادية.
وواثقة.
وكأنهم عارفين حاجة أنا نفسي ناسيها.
قلت باستغراب:
“إيه اللي قولتوه؟”
البنت اللي في النص شورت على دراعي وقالت:
“البوصلة المكسورة دي… ماما عندها زيها بالظبط، بس على كتفها.”
حسيت معدتي اتقبضت.
الوشم ده ماكانش أي وشم.
من تمن سنين…
رسمته بإيدي على منديل ورق وأنا قاعد في كافيه صغير في إسكندرية.
وقتها كنت اتعرفت على بنت اسمها كارما.
ضحكت على الرسمة وقالت:
“طالما إحنا الاتنين تايهين… يبقى نرسمها على جسمنا.”
وفعلًا…
رحنا قبل الفجر وعملنا نفس الوشم.
سميناه البوصلة المكسورة…
لأن ولا واحد فينا كان عارف طريقه هيوديه لفين.
ومن يومها…
عمري ما شفت حد عنده نفس الرسمة.
بصيت للبنات وقلت بهدوء:
“اسم مامتكم إيه؟”
قبل ما واحدة فيهم ترد…
جريت عليهم ست لابسة يونيفورم مربية.
وشها كله خوف.
وقالت بعصبية:
“ليلى! ولين! ولارا! إنتوا بتعملوا إيه هنا؟”
شدتهم بسرعة ناحيتها.
وبصتلي باعتذار مبالغ فيه.
وقالت:
“آسفة يا فندم… ماكانش المفروض يكلموك.”
وقفت وأنا مش فاهم.
قلت:
“هم ما ضايقونيش…
أنا بس كنت عايز أسأل…”
قاطعتني بسرعة وقالت:
“الهانم هتزعل جدًا لو عرفت.”
سألتها:
“مين الهانم؟”
قالت من غير ما تقصد:
“مدام الكيلاني.”
الاسم وقع عليا كالصاعقة.
الكيلاني.
اسم معروف.
واحدة من أغنى سيدات الأعمال في مصر.
سحبت البنات بسرعة ناحية عربية سوداء فخمة كانت واقفة على الرصيف.
وفي اللحظة دي…
كل الذكريات اللي دفنتها رجعت مرة واحدة.
كارما…
عمرها ما حكتلي عن حياتها.
لكن كانت دايمًا تلبس لبس غالي وهي بتحاول تخبيه.
وترد على مكالمات برا بعيد عني.
وكل ما أسألها عن أهلها…
تغير الموضوع.
دلوقتي…
تلات بنات شبهها بشكل يخض.
بيقولوا إن أمهم عندها نفس الوشم اللي أنا رسمته بإيدي.
وصلت للعربية قبل ما تتحرك بثواني.
لكن الأبواب اتقفلت.
ومن ورا الزجاج الأسود…
واحدة من البنات رفعت إيدها، وحطتها على الإزاز وهي باصة ناحيتي.
وبعدين…
العربية اتحركت واختفت وسط الزحمة.
فضلت واقف مكاني.
مش قادر أتحرك.
لأن لو كارما الكيلاني فعلًا هي أم البنات…
يبقى في سؤال واحد بيلف في دماغي ومش لاقيله إجابة.
إزاي تلات بنات عندهم سبع سنين، يعرفوا قصة وشم اتعمل في ليلة واحدة من تمن سنين… عليه أفضل الصلاة والسلام. سحبت التليفون من جيبي وإيدي بتترعش. عقلي كان بيرفض يربط الخيوط ببعضها، بس الأرقام كانت بتصرخ في وشي: تمن سنين من يوم ليلتنا الأخيرة في إسكندرية… والبنات عندهم سبع سنين! يعني كارما كانت حامل لما سابتني واختفت؟ وليه تلاتة؟ وليه سمّت نفسها “مدام الكيلاني” ورجعت لعالم الثراء اللي كانت هربانة منه؟ طلعت من الأزهر وأنا مش شايف قدامي. السر اللي دفنته تمن سنين اتفتح كأنه مقبرة ملعونة. اتصلت بـ “سعيد”، واحد صاحبي مهووس بالبرمجة والمعلومات الهاربة، وقلتله بفرملة نفس:
“سعيد… عايز أعرف كل حاجة عن واحدة اسمها كارما الكيلاني. كل حاجة يا سعيد، وفي أسرع وقت.” بعد ساعتين بس، كنت قاعد قدام سعيد في مكتبي الصغير. وش سعيد كان أصفر، حط اللابتوب قدامي وقال بصوت واطي: “إنت دخلت نفسك في حارة سد يا صاحب. كارما الكيلاني مش مجرد سيدة أعمال… دي الأرملة الوحيدة للراحل طارق الكيلاني، ملياردير العقارات اللي مات في حادثة غامضة من سنتين. بس الغريب مش هنا…” سعيد قرب الشاشة مني وتابع:
“الغريب إن ملف عيلتها المعروض للصحافة بيقول إن عندها بنتين بس! مفيش أي ذكر لثلاث توائم… والأغرب، إن سجلات المستشفى اللي اتولدت فيها البنات في إسبانيا، مقفولة بتشفير أمني من الدرجة الأولى!” حسيت بقشعريرة ض.ربت ضهري. “تلات بنات… الصحافة تعرف عن اتنين بس؟ إيه اللعبة دي؟” طبقت اللابتوب وقمت وقفزت في عربيتي. المكان الوحيد اللي ممكن ألاقي فيه إجابة هو قصر الكيلاني في التجمع الخامس. وصلت بعد نص ساعة. سور القصر كان عالي، وفي حراسة مشددة. فضلت مراقب المدخل من بعيد وأنا مش عارف هعمل إيه. وفجأة… البوابة الحديدية الكبيرة اتفتحت، وخرجت نفس العربية السوداء اللي شفتها في حديقة الأزهر.
دوبت محرك عربيتي ومشيت وراهم بحذر. العربية ما راحتش القصر ولا أي مبنى إداري… دخلت في شارع جانبي مقطوع ووقفت قدام مبنى تحاليل وطبية خاص جداً. نزلت المربية ومعاها البنات التلاتة، والدكاترة كانوا مستنيينهم على الباب بكراسي متحركة وأجهزة غريبة! وجوه العربية السوداء… الإزاز المفيّم نزل ببطء. ولأول مرة من تمن سنين… شفت وشها. كارما. كانت أرفع، وشها شاحب، وتحت عيونها هالات سوداء، بس كانت هي هي… نفس الملامح اللي شقلبت حياتي.
نزلت من عربيتي من غير ما أفكر، ومشيت ناحيتها بسرعة قبل ما الحراس يلمحوني. وقفت قدام الشباك مباشرة. أول ما عيونها جت في عيوني، كاس القهوة اللي كان في إيدها وقع واتدفق على السجادة. اتجمّدت مكانها… الشفايف اترعشت، والذهول شلّ حركتها. قلت بصوت مكتوم ونبرة كلها غضب وشوق: “تمن سنين يا كارما؟ تمن سنين وأنا فاكر إنك نسيتيني؟ والبنات… البنات دول يخصوني، صح؟” كارما بصت حولين نفسها بذعر هستي، وفتحت باب العربية وسحبتني من دراعي لجوه وقفلته بسرعة قبل ما حد ياخد باله. قربت مني، وريحة برفانها القديم ملت المكان، مسكت لياقة قميصي وقالت بصوت بيهمس وبيترعش من الخو.ف:
“امشي من هنا فوراً! لو حد شافك معايا هيق.تلوك… هيق.تلوك زي ما ق.تلوا طارق!” بصيت في عيونها وقلت بثبات: “مش متحرك من هنا غير لما أفهم. البنات قالولي إن عندك البوصلة المكسورة على كتفك… البنات عارفين السر!” دمعة نزلت من عين كارما، وغطت وشها بإيديها وقالت جملة واحدة خلّت الدم يتجمد في عروقي: “البنات مش عارفين السر يا إسرار… البنات هما السر! واحدة منهم مش بنتي… وواحدة منهم مش بنتك… والوشم اللي على كتفي؟ أنا قطعته بلمشرط من سنتين علشان أنساك!”
وفجأة… صوت ض.رب نا.ر رنّ في الشارع، وازجاج العربية الخلفي اتد.مر كلياً! الليلة اللي غيرت حياتي، واللي كنت فاكر إنها انتهت للأبد؟
مين عاوز الباقي ؟لايك وصلو علي النبي وهرد عليكم