روايات

«طول ما أنا موجودة هنا، مراتك ما تخطيش عتبة المطبخ ده.»

باب أوضة أمي اتفتح بسرعة، وخرجت بجلابيتها البيضاء ووشها مشدود. وبنفس السرعة، سمعت صوت ندى من جوة الأوضة بتصرخ بخوف وهي فاكرة إن فيه حرامي: “محمود! فيه إيه؟!” أمي وقفت في الصالة، بصت على باب المطبخ المكسور، وبعدين بصتلي. ما شفتش في عينها خوف.. شفت غضب وسلطة بتتهدد. — “إيه الجنان ده يا محمود؟! كسرْت الباب عشان أكل؟ أستغفر الله العظيم.. العيل لما يكبر يكسر كلمة أمه عشان واحدة غريبة؟” كلماتها كانت طالعة بثقة تامة، كأنها هي صاحبة الحق، وكأني أنا اللي ارتكبت جريمة.

نزلت التليفون من إيدي بعد ما كنت صورْت كل حاجة، وبصيت في عينها بثبات لأول مرة من يوم ما دخلت الشقة: — “الواحدة الغريبة دي جابتلي ابني اللي من صلبي يا أمي.. والواحدة الغريبة دي بتنزف ومفتوح بطنها ٧ طبقات.. الأكل ده مش دلع، ده علاج! علاج إنتي جيتي حريمتيه عنها وكتبتي بيدك إنها تاكل رز وبس!”

أمي رفعت حواجبها وبصتلي بتهكم:
— “جرى إيه يا ابن حاج مسعود؟ كبرت عليا؟ أنا جاية أربيك وأربيها! المرفعة دي لو خدت على القعدة والراحة مش هتقوملك بلقمة بعد كده! أنا أدرى بالستات، وأختك منى أولى بكل قرش وفرتهولك.. أختك جوزها حاله على قده، ومش لاقية اللي يرم عظمها عشان تخلف، وإنت هنا بتاكلوا سلمون وججمبري؟” هنا كل حاجة وضحت.
الموضوع مكنش “حفاظ على الصحة” ولا “طبايع ستات”.. الموضوع كان غيرة، وتصفية حسابات، وتوزيع ورث وأنا لسه على قيد الحياة!

في اللحظة دي، خرجت ندى.. كانت ساندة على الحيطة ببالكاد، حاطة إيدها على جرحها ووشها أصفر زي الليمونة، وبتبص لينا بذهول ودموعها نازلة من غير صوت. أمي بصت لندى وقالت بقسوة:
— “عجبك كده؟ خليتيه يعلي صوته على أمه؟ يفضحني عشان شوية أكل في التلاجة؟” ندى بصتلي وهي بتترعش وقالت بصوت مكسور:
— “أنا مش عايزة أكل يا محمود.. والله ما عايزة حاجة، بس عشان خاطر ربنا بلاش مشاكل.. أنتم أهلي.” الكلام نزل عليا زي السم. ندى بتمو.ت من الوجع والجوع وبتعتذر!

مسكت إيد ندى بالراحة ورجعتها خطوتين لورا: “ادخلي الأوضة يا ندى.. وما تقلقيش.” لفيت لأمي.. وقفت قدامها وقربت منها، خدت المفتاح اللي كان مركون، وحطيتها في إيدها بالراحة، بس بحسم. — “يا أمي.. الجنة تحت أقدام الأمهات، وده حقك عليا ورأسي أركع وأبوسها كل يوم.. بس بيتي ده مقفول عليا وعلى مراتي وابني. إنتي جاية هنا ضيفة على رأسنا من فوق، تتشالي على الرأس.. لكن مش جاية تقفلي بالمفتاح على أكل مراتي، ولا تحرمي ابني من لبن أمه.”

أمي بصت للمفتاح في إيدها، وبعدين بصتلي بذهول:
— “يعني إيه يا محمود؟ بتطردني؟ بتبيع أمك عشان حتة أكل؟” — “أنا بشتري بيتي.. وبشتري كرامتي. الشنطة اللي إنتي ما فتحتيهاش من ٣ أيام.. أنا هحطها في العربية، وعربية السوبرجيت للبلد تطلع الساعة ٦ الصبح.. هتوصلك لحد باب البيت معززة مكرمة، وفلوس أختي منى هتوصلها شهرياً من غير ما تحرمي مراتي من حقها.” أمي وقفت مشدوهة.. ما كانتش متوقعة إن “محمود” اللي بيسمع الكلام وبيطأطئ رأسه دايمًا، يقف القعدة دي.

— “لو مشيت من الباب ده دلوقتي.. لا إنت ابني ولا أعرفك ليوم الدين!”، قالتها أمي بنبرة تهديد أخير. قلبي اتعصر.. اتعصر بجد. التهديد بالغضب والحرطوم ده أصعب حاجة ممكن ابن يسمعها.. بس افتكرت شكل الورقة اللي شطبت فيها على علاج ندى، وشكل علب الأكل اللي شايلاها لأختي على حساب صحة مراتي. قربت منها، بست إيدها بكسرة وقلت:
— “ربنا يعلم إني بحبك يا أمي.. بس إنتي اللي اخترتي تدخلي بيتي بـ قفل.. واللي يدخل بالقفل، ما يزعلش لما المفتاح يضيع منه.”

الساعة كانت ٥:٥٠ الصبح.
الشمس كانت بتبدأ تطلع وتنور الصالة الليد الباردة.
أمي نزلت وهي ساكتة، ما بصلتيش ولا كلمة.. خدت شنطتها وركبت العربية. رجعت الشقة.. فتحت باب المطبخ المكسور.
طلعت أكياس الفاكهة والبروتين، وعملت لندى أكتر طبق مغذي أقدر أعمله.
دخلت الأوضة، حطيت الصينية قدامها.. ندى بصتلي بدموع، وبصت للطبق، وبعدين مسكت إيدي وعيطت بحرقة. أتاري “القفل” مكنش على المطبخ بس.. ده كان قفل محطوط على حياتي كلها، وكان لازم يتكسر عشان البيت ده يعرف يعيش.

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى