روايات

مش هقربلك أنتي صغيرة وجميلة ومن حقك تبقي أم وتشيلي عيل على إيدك

مش هقربلك أنتي صغيرة وجميلة ومن حقك تبقي أم وتشيلي عيل على إيدك.. قدام أهلي وأهلك، إحنا متجوزين ومبسوطين.. إنما في الشقة دي كل واحد فينا هينام في أوضة.. الأوضة الكبيرة ليكي، أنا هنام في الأوضة الصغيرة اللي جنب المكتب
بعد ما الفرح خلص فتح باب الشقة بمفتاحه، ودخل الأول، وبعده دخلت هي بفستانها الأبيض البسيط. قفل الباب وراه بالمفتاح، ووقف في نص الصالة، مش عارف يعمل إيه.
عايدة كانت مـ،ـسـ،ـكـ،ـة طرف فستانها، وبتبص في الأرض. وشها أحمر من الكسوف، ومن تعب اليوم كله.
مصطفى فضل واقف مكانه دقيقة كاملة ساكت، وبعدين اتكلم بصوت واطي ومبحوح:

“مبروك يا عايدة.”
قالت وهي لسه باصة في الأرض: “الله يبارك فيك.”
سكت تاني. كان باين عليه التردد، كأنه شايل جبل فوق كتافه. قرب خطوة، وبعدين رجع تاني.
قالها: “ادخلي غيري هدومك، خدي راحتك. الحمام أول أوضة على اليمين.”
عايدة هزت راسها ودخلت أوضة النوم تشوف هتغير فين. أول ما الباب اتقفل وراها، مصطفى راح قعد على الكنبة في الصالة، وفتح التلفزيون على أي قناة وخلاص، وطى صوته على الآخر. قلع الجاكتة بتاعة البدلة ورماها جنبه
بعد تقريباً نص ساعة، باب الأوضة اتفتح. عايدة خرجت لابسة عباية بيتي زرقا بسيطة، وشعرها ملموم، ووشها مغسول من المكياج.

كانت أجمل بكثير من وهي بالفستان والمكياج. جمالها كان هادئاً، مريحاً.
قعدت على طرف الكنبة اللي قصاده، وسكتت مستنياه يتكلم.
مصطفى بصّلها، وبعدين بص قدامه على التلفزيون تاني. خد نفس طويل وقال، والمرة دي بنبرة حادة، بيحاول يبقى ناشف عشان ما يضعفش: “بصي يا بنت الناس، الكلام اللي قلتهولك في بيت أبوكي، هعيده تاني هنا، عشان نبقى على نور من أول ليلة.”
عايدة بصتله بهدوء: “سامعاك.”
“أنا مش هقرب منك. أنتِ لسه صغيرة، وجميلة، ومن حقك تبقي أم وتشيلي عيل على إيدك. أنا مش هظلمك معايا وأربطك بواحد عارف إنه مش هيجيب عيال.

اللي بيني وبينك قدام أهلي وأهلك، إحنا متجوزين ومبسوطين. إنما هنا، بيني وبينك في الشقة دي، كل واحد فينا هينام في أوضة. الأوضة الكبيرة ليكي، أنا هنام في الأوضة الصغيرة اللي جنب المكتب.”
عايدة ما اتخضتش، ولا عيطت. فضلت باصة له بنفس الهدوء.
كمّل كلامه وهو بيحاول يخلي صوته جامد: “هنقعد كام شهر كده، قدام الناس متجوزين، وبعدها هطلقك بالمعروف، وتاخدي كل حقوقك وزيادة. وتشوفي نصيبك مع حد تاني، حد يقدر يديكي اللي أنا مش هقدر أديهولك. أنا مش عايز أشيل ذنبك قدام ربنا.”
خلص كلامه وسكت، مستني تعيط، أو تقوله أنت بتقول إيه.

عايدة هزت راسها بالموافقة، وابتسمت ابتسامة صغيرة هادية. ابتسامة فيها فهم.
قالت: “حاضر يا مصطفى. اللي تشوفه. أنا هعمل كل اللي أنت عايزه.”
استغرب من هدوئها. مراته الأولى كانت لو قالها كلمة زي دي كانت قلبت الدنيا.
عايدة قامت وقفت، وقالت بنفس الرقة: “بس ممكن أطلب منك طلب صغير؟”
قال: “قولي.”
قالت: “خليني أجهزلك لقمة ناكلها سوا. دي أول ليلة لينا في بيتنا، حتى لو… حتى لو زي ما أنت بتقول. ناكل لقمة مع بعض، وبعدها كل واحد يدخل أوضته. ينفع؟”
مصطفى بصّلها ومش لاقي رد. البساطة بتاعتها لخبطته.

قامت دخلت المطبخ، فتحت الثلاجة اللي الحاجة نفيسة مالياها أكل يكفي شهر. في عشر دقائق كانت مسخنة حلة محشي كانت حماتها باعتاها، وفراخ، وعملت شاي.
حطت الصينية قدامه على الترابيزة الصغيرة، وقالت: “اتفضل، كل، أنت من الصبح ما أكلتش حاجة في الفرح.”
قعدوا ياكلوا سوا في صمت، صوت معالقهم بس اللي مسموع مع صوت التلفزيون الواطي.
وهو بياكل، لأول مرة ياخد باله منها بجد. من رموشها الطويلة وهي باصة في طبقها، من إيديها الرفيعة وهي بتصبله الشاي، من هدوئها اللي مالي الشقة كلها سكينة.
افتكر مراته الأولى، منار.

منار كانت صوتها عالي على طول، وطلباتها ما بتخلصش، وكل كلمة بينهم كانت خناقة. كانت بتغيظه وتستفزه لحد ما يفقد أعصابه.
ودي؟ دي نسمة. أرق وأهدى وأجمل مليون مرة.
حس بغصة في زوره، مش عارف دي ندم ولا وجع ولا إيه.
بعد ما خلصوا، لمّت الصينية في ثواني وغسلت المواعين. خرجت لقيته لسه قاعد مكانه.
قالتله وهي مبتسمة: “تصبح على خير يا مصطفى.”
قال: “وأنتي من أهله.”
دخلت أوضة النوم الكبيرة وقفلت الباب وراها بهدوء. وهو دخل الأوضة الصغيرة، وقفل على نفسه، وفضل صاحي للصبح بيبص في السقف.

في نفس الليلة، في بيت تاني خالص في آخر البلد.
منار، طليقة مصطفى، كانت قاعدة في أوضة نومها في بيت أبوها، مـ،ـسـ،ـكـ,ـة تليفونها وبتقلب في صور فرح مصطفى وعايدة اللي أهله نزلوها عندهم.
كانت هـ،ـتـ،ـمـ،ـو ت من الغيظ
أمها دخلت عليها قالت: “بطلي تقليب في النيلة دي، هيجيلك نقطة.”
منار رمت التليفون على السرير وصـ،ـر خـ،ـت: “شفتي البت اللي اتجوزها؟ دي عيلة صغيرة قد بنته! جابها عشان يغيظني!”
أمها قالت: “ما يغور، هو الخسران.”
منار قامت وقفت وبصت في المراية، وقالت بصوت كله غل وخوف: “أنا خايفة يا أمه…

خايفة البت دي تحمل.”
أمها سكتت.
منار كمّلت وهي إيديها بـ،ـتـ،ـر تـ،ـجـ،ـف: “لو البت دي حملت من مصطفى، كدبتي هتتكشف قدام البلد كلها. كله هيعرف إن أنا اللي ما بخلفش، مش هو.” مين عاوز يكملها لايك وكومنت والرواية في الاسفل الجزء التكميلي للقناة والقصة:
وقفت أم منار مذهولة من كلام بنتها، وضربت على صدرها بصدمة: “أنتِ بتقولي إيه يا منار؟! يعني أنتِ اللي طلعتي ما بتخلفيش ورامية البلا عليه طول السنين دي وقايلة للبلد كلها إنه هو السبب؟!”

منار بصت لأمها بعيون مليانة شر وحقد: “أيوة يا أمي! كنتِ عايزاني أقولهم إن العيب مني فيطلقني ويرميني؟ مصطفى طيب وأهبل، لما الدكتورة قالتلي السر زمان، أقنعته إن العيب منه هو، وزوّرت التحاليل عشان يصدق. هو من كتر طيبته وشهامته صدق واعتذرلي كمان وشال الذنب وسكت! بس أنا ما كنتش عاملة حساب إنه يتجوز تاني بعد ما طلقت منه!”

في نفس الوقت، ومع طلوع شمس اليوم الجديد، خرج مصطفى من الأوضة الصغيرة وجسمه مكسر من القلق ومفيش نوم دخل عينيه. تفاجأ بريحة قهوة وطعم الفول بالزيت الحار مالي الشقة. عايدة كانت صاحية بدري، مجهزة الفطار، ولابسة فستان بيتي هادي وابتسامتها المريحة على وشها: “صباح الخير يا مصطفى.. الفطار جاهز.” مصطفى اتلخبط، الوقار والهدوء بتوع عايدة كانوا بيخترقوا الدروع اللي بانيها حوالين نفسه. قعد ياكل معاها وهو مش فاهم البنت دي سرها إيه، ليه ما بتعيطش؟ ليه مش زعلانة؟

عدت الأيام والأسابيع، وعايدة كانت مثال للزوجة الراقية، بتراعيه، بتاخد بالها من أصغر تفاصيله، بتسمعه لمجرد إنه بيتكلم، من غير ما تطلب طلب واحد أو تتذمر. ومصطفى كل يوم كان بيغرق في حبها أكتر، وبيتعذب أكتر لأنه شايف نفسه ظالمها ومعيشها مع راجل “مش كامل” حسب معتقده. في يوم، مصطفى تعب جداً وجاله دور سخونية شديد. عايدة ما سابتهوش لحظة، فضلت سهرانة طول الليل تعملكمادات وتهدي فيه وتدعيه ربنا يشفيه. وفي لحظة ضعف وهذيان من السخونية، مصطفى مسك إيدها وبكى وقالها: “سامحيني يا عايدة.. أنا بحبك.. بس مش قادر أظلمك معايا..”
عايدة ابتسمت بدموع، وبست إيده وسكتت.

منار من ناحية تانية، الشك والغل كانوا بياكلوا في قلبها. قررت تروح للدكتورة اللي كشفت عندها زمان عشان تضمن إن السر يفضل مدفون، لكن الصدمة كانت لما اكتشفت إن الدكتورة سافرت، والعيادة استلمها طبيب تاني جديد. بعد شهرين، مصطفى كان قاعد في المكتب بيشتغل، وعايدة دخلت عليه وهي شايلة صينية العصير، وحطت جنبها ظرف مقفول.
مصطفى بص للظرف وقال: “إيه ده يا عايدة؟” عايدة قعدت قدامه بهدوء وقالت بصوت ناعم: “دا مظروف فيه التحاليل والفحوصات بتاعتك القديمة اللي كنت سايبها في الأدراج، أنا خدت نسخة منها ووريتها لدكتور كبير صاحب بابا الله يرحمه.”

مصطفى ملامحه اتغيرت وظهر عليها الغضب والوجع: “أنتِ بتعملي إيه يا عايدة؟ أنا مش قلتلك الموضوع ده مقفول؟ أنتِ بتنبشي في وجعي ليه؟!” عايدة مسكت إيده بثبات وقالت: “اسمعني للأخر يا مصطفى.. الدكتور لما شاف التحاليل اللي كانت معاك، قال إن الفحوصات دي فيها تزوير واضح، ومفيش راجل يتقال عليه الكلام ده من غير فحوصات دم وجينات معينة.. أنت معندكش أي مشكلة يا مصطفى، اللي كان في التحاليل القديمة كان مبرك!” مصطفى اتصدم، لسانه اتعقد: “أنتِ بتقولي إيه؟! منار هي اللي جابتلي التحاليل دي وقالتلي الدكتورة قالت كده!”

عايدة طلعت ورقة تانية جديدة: “دي تحاليل كاملة أنا خدت عينتك منها الأسبوع اللي فات لما كنت تعبان والتمريض جم البيت يدوك المحاليل.. دكتور المظلومية والتحاليل بيقول إنك سليم 100% ومفيش فيك أي عيب.” مصطفى مسك الورقة، أيديه كانت بترتجف، الدموع نزلت من عينيه وهو بيقرا الكلام اللي مش مصدقه. السنين اللي ضاعت من عمره، الإهانة، الشعور بالنقص، الظلم اللي عاشه.. كل ده كان كذبة من ست مجردة من الإنسانية عشان تحمي أنانيتها! بص لعايدة بصدمة وذهول: “أنتِ… أنتِ كنتِ عارفة؟”

عايدة ابتسمت بحب ورقة: “أنا كنت حاسة إن في حاجة غلط من كلامك أول ليلة، هدوءك وشهامتك ما يقولوش إن ربنا حرمك.. أنا صبرت وجريت ورا الحق عشان أثبتلك إن ربنا ما بيظلمش حد، وعشان أقولك إنك راجل وسيد الرجالة كمان.” في نفس اليوم، مصطفى نزل وراحه لبيت منار وأهلها، ولمّ عليهم البلد كلها، وطلع التحاليل المزورة والجديدة كاشفاً كذبها قدام أبوها وأمها والناس كلها، ومنار انفضحت ووشها اتكسر قدام الكل وما عرفتش تنطق بكلمة واحدة.

رجع مصطفى الشقة، فتح باب الأوضة الكبيرة اللي كان حاكم على نفسه ما يدخلهاش. عايدة كانت واقفة مستنياه. قرب منها، المرة دي مش بتردد ولا بوجع، مسك إيديها الاثنين، وقال بصوت مليان حب وامتنان: “الأوضة الصغير خلاص اتقفلت يا عايدة.. والشقة دي من النهاردة مش هيبقي فيها غير قلبي وقلبك.. وإبني اللي هيشيل اسمي واسمك إن شاء الله.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى